مقالات رأي

حطام المدمرة الإسرائيلية إيلات أمام شاطئ بورسعيد

لواء دكتور سمير فرج

احتفلت القوات البحرية المصرية يوم أمس، 21 أكتوبر، بعيد القوات البحرية، والذي يحل في ذكرى تدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات، أكبر قطع الأسطول البحري الإسرائيلي، التي ترقد حطامها، منذ 53 عاماً، في قاع البحر المتوسط، قبالة سواحل بورسعيد الباسلة، لتظل شاهداً على عظمة وقوة رجال البحرية المصرية.

لقد زرت تايوان، منذ نحو عامين، للمشاركة في مؤتمر عن الإرهاب في العالم، ضمن مجموعة من الخبراء والمفكرين العسكريين، من مختلف دول العالم، وكان من ضمن فعاليات المؤتمر، تنظيم زيارة لأعضاء الوفود المشاركة، لزيارة أكبر مصنع لإنتاج الزوارق الحربية، في العالم، في تايوان، والذي يتبع البحرية الأمريكية، ومخصص لتصنيع زوارق الصواريخ الحربية، وزوارق الطوربين، وزوارق المرور الساحلي، وكافة أنواع الزوارق الحربية اللازمة للجيش الأمريكي، فضلاً عن تصدير فائض إنتاج هذا المصنع لكل القوات البحرية في العالم.

بدأت الزيارة بتقديم من رئيس مجلس إدارة المصنع، أوضح فيه أن المصنع أنشئ عام 1960، لتلبية احتياجات القوات البحرية الأمريكية، وعدد كبير من دول العالم، إلا أنه توقف عن الإنتاج في نوفمبر 1967، بعد نجاح المصريون في إغراق المدمرة الإسرائيلية، بواسطة زوارق الصواريخ الصغيرة الحجم، تلك المدمرة التي كان عمرها، 25 عاماً، فقط، عندما انضمت للأسطول البحري الإسرائيلي في يونيو عام 1956، ضمن صفقة مع بريطانيا، ضمت المدمرة البحرية الثانية يافا. واستطرد رئيس المصنع قائلاً، أنه أمام تلك المعجزة المصرية، قرر الخبراء العسكريين تجميد إنتاج القطع البحرية، لحين الانتهاء من دراسة وتحليل أسباب ذلك النجاح المصري، الذي غير الكثير والكثير من صفات وخصائص لنشات الصواريخ في العالم، مضيفاً أنه بعد 6 أشهر من البحث والدراسة، بدأت عملية تطوير جميع أنواع اللنشات الحربية.

ولكي نقف على أسباب تغير الفكر العسكري، وما ارتبط به من تطوير إنتاج قطع الأساطيل البحرية، اسمحوا لي أن أقص عليكم بعض من تفاصيل تدمير تلك المدمرة، على لسان قائدها المقدم الإسرائيلي إسحاق شوشان، في كتابه “الرحلة الأخيرة للمدمرة إيلات”، الذي ذكر فيه أنه تلقى أوامر قيادته، يوم 21 أكتوبر 1967، بالإبحار، بالمدمرة إيلات، إلى شاطئ بورسعيد، وعلى متنها عدداً من طلاب البحرية الإسرائيلية، في رحلة تدريبية، بهدف استعراض القوة، وإثبات تواجد القوات البحرية الإسرائيلية أمام شواطئ مدينة بورسعيد.

ويتابع المقدم شوشان “عندما اقتربت المدمرة من شاطئ بورسعيد، صعدت إلى السطح لأتطلع إلى المدينة … كانت الشمس تغرب في الأفق خلف مدينة بورسعيد، بينما الأضواء تزين مبانيها، ونسائم شهر أكتوبر الجميلة تهل علينا … وفجأة سمعت صراخ ضابط الرادار بأن صاروخاً يقترب من المدمرة، منطلقاً علينا من اتجاه مدينة بورسعيد، فأدركت لحظتها أن الأمر مهيب، بما دفع ضابط الرادار إلى عدم الالتزام بالإجراءات المعمول بها من حيث إبلاغي بواسطة جهاز الإنذار. رفعت منظاري، ورأيت الصاروخ يقترب من المدمرة، مخلفاً وراءه ذيلاً أسود … ليصيب المدمرة في ثوان قليلة”.

يضيف شوشان “لقد أصبت في هذه العملية، وشعرت وكأنها النهاية … وعلمت أن الصاروخ قد أصاب منطقة المراجل في جانب المدمرة، فانقطعت عنها الكهرباء، ومالت المدمرة وبدأت المياه تتسرب إليها من الجانب. وبينما أفكر في ضرورة مغادرة المدمرة، التي فقدت قدرتها، ولم يتبق لنا ما نستطيع فعله لإنقاذها، إذا بي أتلق خبر إصابتها بالصاروخ الثاني من الجانب الآخر، ليصيب ما تبقى من المدمرة، ورأيت المدخنة تتهاوى ومعها منصة إطلاق صواريخ الطوربيد، وبدأت المدمرة في الغرق. فحدثت نفسي بأنه إن كنت قد نجوت من الصاروخ الأول، فقد يحالفني الحظ بالنجاة من الصاروخ الثاني، وحين نجح ضباط الاتصال، بعد محاولات عديدة، بإرسال إنذار إلى قائد لواء المظلات الإسرائيلي في شمال سيناء، بغرق المدمرة، كان الصاروخ الثالث قد أصاب المدمرة، وقلبها على جانبها، لتهوى بسرعة إلى قاع البحر.

وبنجاح قوات البحرية المصرية في إغراق المدمرة إيلات، باستخدام لنشات صواريخ صغيرة الحجم، تغير فكر البحرية العسكرية في العالم بأسره، فتوقفت جميع الدول عن بناء القطع البحرية الكبيرة، مثل حاملات الطائرات، والطرادات، والمدمرات، واتجهت، تدريجياً، للاعتماد على الفرقاطات صغيرة الحجم، ولنشات الصواريخ، مع تطوير الرادارات البحرية، لاكتشاف الأهداف من ارتفاع أربعة أمتار عن سطح البحر. إضافة إلى التغيير الذي طرأ على تكتيكات وأساليب القتال البحري، في كل المدارس البحرية حول العالم، بعد ما حققه المصريون من معجزة، بتدمير هذه المدمرة العملاقة، بواسطة صواريخ صغيرة.

وعندما نقص تفاصيل تلك المعركة العظيمة، لا ننسى ذكر النقيب أحمد شاكر، والنقيب لطفي جاد الله، قائدا لنشات الصواريخ، اللذان نجحا، في إغراق المدمرة، وإتمام العملية بنجاح. ولا ننسى معاونيهم الملازم أول السيد عبد المجيد، والملازم أول حسن حسني، والضابط البحري سعد السيد، ومعهم 25 جندياً مصرياً، هم أطقم هذه اللنشات. ولا يفوتنا أن نترحم على الشهيد الرقيب محمد فوزي البرقوقي، الذي ضحى بحياته أثناء تلك العملية. فما كان من القوات البحرية المصرية إلا أن خلدت ذكرى هذه الملحمة، باعتبار يوم 21 أكتوبر عيداً لها.

ستظل مصر دائماً فخورة بأبنائها … ورجالها … الأبطال الذين سطروا بعملهم وبشجاعتهم … سطوراً مضيئة في تاريخ البحرية العسكرية على مستوى العالم … محققين لبلادهم عزتها وكرامتها.

Email: sfarag.media@outlook.com