أخبار

جامع القرويين بفاس… منارة العلم والحضارة المغربية

فاس : احمد دياب

 

خلال جولتي في أزقة المدينة القديمة العتيقة بفاس، لم يكن بالإمكان إلا أن يتوقف النظر عند جامع القرويين، هذا المعلم التاريخي الذي يفرض احترامه وحضوره، حيث يبرز صرحه المهيب وسط البيوت والأسواق القديمة، ويأسر الزائر بجماله المعماري وروحانيته الفريدة.

تأسس الجامع عام 859م على يد فاطمة الفهرية، لتصبح بذلك أقدم جامعة ما زالت تعمل في العالم، وهو لقب رسمي معترف به دوليًا، يجعل الزائر يشعر وكأنه يمشي بين جدران تاريخية امتدت لأكثر من ألف ومئتي عام.

لم يكن جامع القرويين مجرد مكان للصلاة، بل كان وما يزال مركزًا علميًا رائدًا، حيث خرجت من بين دفتيه أجيال من العلماء والفلاسفة والفقهاء الذين أسهموا في نشر العلوم الإسلامية والعربية في مختلف أنحاء العالم، وصولًا إلى أوروبا في العصور الوسطى. وقد لعب الجامع دورًا أساسيًا في حفظ التراث العربي والإسلامي، كما كان ملتقى للباحثين والمفكرين من المغرب وخارجه.

يتميز جامع القرويين بعمارة فريدة تجمع بين الطراز المغربي الأندلسي والزخارف الإسلامية التقليدية، حيث تحيط به ساحات واسعة وفناءات مزينة بأقواس رائعة، ونقوش هندسية ونباتية متقنة، تعكس مهارة الحرفيين الفاسيين عبر القرون. كما يحتضن الجامع مكتبة ضخمة تحوي آلاف المخطوطات النادرة في مختلف العلوم الشرعية والفلسفية والطبية والفلكية، ما يجعله كنزًا معرفيًا لا يقدر بثمن.

زيارة جامع القرويين تجربة تأخذ الزائر في رحلة عبر الزمن، حيث يستطيع أن يتخيل أصوات العلماء وهم يناقشون ويعلمون، وروح المدينة العتيقة تنبض في كل ركن من أركانها. ولا يقتصر تأثير الجامع على فاس أو المغرب فقط، بل يمتد تأثيره الحضاري إلى العالم بأسره، ليؤكد أن العلم والمعرفة يمكن أن يكونا خالدين مثل هذه الجدران العتيقة.

جامع القرويين هو أكثر من معلم ديني أو تاريخي؛ إنه رمز لهوية المغرب، ومصدر إلهام لكل من يسعى لفهم تاريخ الحضارة الإسلامية، ودرس حي في التوازن بين الروحانية والعلم، بين التراث والحداثة، بين الإنسان والمكان.