أخبار

ساحة الصفارين بفاس… قلب الحرف التقليدية ينبض في المدينة القديمة

ساحة عتيقة تحمل اسم الحرفة وأصوات المطارق

فاس :احمد دياب

تقع ساحة الصفارين في قلب المدينة القديمة بفاس (فاس البالي)، على الجانب الجنوبي من مسجد القرويين وقريبًا من نهر بو خريب الذي ينساب عبر أزقة المدينة العتيقة، وهي واحدة من أقدم الساحات التي حافظت على طابعها التاريخي منذ العصور الوسطى وحتى اليوم.

يحمل اسم الساحة معنىً عميقًا مرتبطًا بصناعة النحاس، إذ كانت وما تزال ملتقى النحاسيين (الصفارين) الذين يمارسون حرفتهم في تشكيل الأواني والأدوات التقليدية، مستخدمين طرقًا يدوية متوارثة عبر أجيال.

ترتكز الساحة على مجموعة من المعالم التي تشكل جزءًا أساسيًا من المشهد الحضاري في فاس البالي:

مدرسة الصفارين التاريخية، التي بُنيت في القرن الثالث عشر الميلادي بيد السلطان المريني أبو يعقوب يوسف، وتُعد من أقدم المدارس الإسلامية في المغرب وما زالت شاهدة على تاريخ التعليم والعمارة.

حمّام الصفارين التقليدي، الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر، وكان يخدم الحرفيين والمترددين على الساحة، وهو مثال على أهمية الخدمات الاجتماعية المتكاملة في المدن المغربية القديمة.

مكتبة القرويين تقع أيضًا بالقرب من الساحة، ما يجعل هذا المكان نقطة التقاء بين العلم والحرفة والحياة اليومية في المدينة العتيقة.

سوق حي… وموسيقى المطارق

ما يميز الساحة حقًا هو الصوت الذي يسمع قبل أن يرى الزائر المكان: طرق المطارق على النحاس، وكأنها سيمفونية معدنية تُعزف منذ قرون. هنا لا يتغير الإيقاع، بل يظلّ صوت الصنعة ينساب عبر الأزقة، جاذبًا الزوار والمحبّين للحرف الأصيلة.
يقول الحاج عبد الرحيم الصفار، أحد الحرفيين في الساحة:

“هذه الحرفة في عروقي مثل الدم، ورثتها عن أبي وجدي. الساحة ليست مجرد مكان للعمل، بل هي بيتنا الثاني، ونحن نحافظ على طريقتنا كما كانت منذ مئات السنين.”

وتضيف السيدة فاطنة بوحنين، إحدى بائعات الحرف اليدوية القريبة من الساحة:
“الزوار يأتون من كل مكان، لا يشترون فقط النحاس، بل يأتون لتذوق روح فاس القديمة. هذا ما يجعل ساحة الصفارين مختلفة عن أي مكان آخر.”

وجهة بالنسبة للزوار والسكان على حدٍّ سواء

لا تقتصر ساحة الصفارين على الحرفيين فقط، بل أصبحت موقعًا يلتقي فيه السياح مع السكان المحليين، حيث يتوقف الزائرون لمشاهدة المشغولات اليدوية الأصيلة، والتفاعل مع القصص التي يرويها أصحاب الورش، بينما لا يزال السكان القدامى يعتبرونها جزءًا من حياتهم اليومية.

يقول أحمد بن سليمان، من سكان الحي:

“الساحة ليست فقط سوقًا… هي ذاكرة المدينة التي تُسمع قبل أن تُرى. هنا نشأنا، وهنا نتعلم من ضيوفنا كيف يرى العالم فاس.”
تراث حي بين الأصالة والتجديد

على الرغم من قدم الساحة وتاريخها الطويل، فقد خضعت لأعمال تجديد خفيفة أحيت المكان دون أن تمحو ملامحه التاريخية، محافظة على أصالته وروحه الحقيقية.