ساحة جامع الفنا… تراث حي وتجارة نابضة تضخ من 80 إلى 100 مليون درهم سنويًا في اقتصاد مراكش
مراكش : احمد دياب

في قلب المدينة العتيقة لمراكش، تقف ساحة جامع الفنا كأحد أهم الفضاءات المفتوحة التي تجمع بين التجارة الشعبية والتراث الثقافي والاستثمار السياحي، في مشهد يومي لا يتكرر. وخلال زيارة ميدانية لوفد من الصحفيين والإعلاميين، بدت الساحة كنموذج حي لاقتصاد شعبي متكامل، يعيش عليه آلاف الأشخاص، ويعود بالنفع على المدينة الحمراء ككل.
تقع ساحة جامع الفنا بالقرب من مسجد الكتبية والأسواق التاريخية، وتمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 15 ألف متر مربع، ما يجعلها قادرة على استقبال ما بين 20 و30 ألف زائر يوميًا في الأيام العادية، وترتفع هذه الأعداد خلال المواسم السياحية وفترات الذروة، لتصبح الساحة نقطة التقاء عالمية للسياح وسكان المدينة على حد سواء.

وتضم الساحة أكثر من 300 نشاط تجاري مباشر، تتنوع بين ما يزيد على 100 عربة مرخصة لبيع عصير البرتقال، ونحو 80 مطبخًا مفتوحًا للأكلات الشعبية التي تنتشر مساءً، إلى جانب باعة الحلزون والمشويات، وتجار التوابل والأعشاب الطبية والحناء، وباعة المنتجات التقليدية والإكسسوارات الجلدية. وتشكل هذه الأنشطة مصدر رزق مباشر لما يقرب من ألف شخص، فضلًا عن آلاف فرص العمل غير المباشرة المرتبطة بالنقل والسياحة والخدمات.
ولا تقتصر أهمية ساحة جامع الفنا على التجارة فقط، بل تُعد مركزًا للفرجة الشعبية والتراث اللامادي، حيث يعمل بها أكثر من 150 فاعلًا ثقافيًا، بين حكواتيين، وسحرة أفاعي، ومروضي قرود، وفناني كناوة، وموسيقيين شعبيين. ويعتمد هؤلاء الفنانون على التفاعل اليومي مع الزوار، ما يحول الفنون الشعبية إلى مورد اقتصادي مستدام، ويسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية المغربية، وهو ما منح الساحة تصنيفها ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو.

وتستقبل ساحة جامع الفنا سنويًا ما يزيد على ثلاثة ملايين زائر من مختلف الجنسيات، من أوروبا وآسيا وأمريكا وإفريقيا، إضافة إلى الزوار العرب، وتشكل محطة رئيسية ضمن البرامج السياحية لمدينة مراكش، وعنصر جذب أساسي للفنادق ودور الضيافة والمطاعم والمقاهي والأسواق المحيطة بها.
وعلى المستوى الاقتصادي، تلعب الساحة دورًا محوريًا في دعم استثمارات مراكش السياحية، حيث تُقدَّر العائدات المرتبطة بها، سواء من إنفاق الزوار أو من الأنشطة التجارية والسياحية المحيطة، بما يتراوح بين 80 و100 مليون درهم سنويًا. وتشمل هذه العائدات حركة الفنادق، والمطاعم، والمقاهي، والأسواق التقليدية، وقطاع النقل والخدمات، ما يجعل جامع الفنا أحد أبرز المحركات الاقتصادية غير الصناعية في المدينة.

وجاءت هذه الجولة الميدانية في إطار زيارة نظمتها الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب للصحفيين المصريين والأفارقة، بهدف تمكين الإعلاميين من الاطلاع عن قرب على القيمة الاقتصادية والثقافية لساحة جامع الفنا، وإبراز دورها كنموذج للتكامل بين التراث الشعبي والاستثمار السياحي المستدام.
وسوفو تظل ساحة جامع الفنا أكثر من مجرد معلم سياحي أو ساحة عامة، فهي ذاكرة حية لمراكش، وسوق مفتوح، ومسرح شعبي، ومنظومة اقتصادية نابضة بالحياة، تؤكد أن التراث حين يُدار بوعي، يمكن أن يتحول إلى قوة استثمارية حقيقية تحفظ الهوية وتدعم التنمية في آن واحد.


