التوحد

المغرب … بقلم: روضة منير
التوحد ليس كلمة طبية فقط، ولا تشخيصًا يُكتب في تقرير، بل هو عالم كامل يسكن داخل طفل يرى الحياة بطريقة مختلفة. طفل لا يفتقد الحب، لكنه قد لا يعرف كيف يعبّر عنه، ولا يفتقد الذكاء، لكنه يتواصل مع العالم بلغته الخاصة. التوحد حكاية إنسانية تبدأ غالبًا بصمت، وتستمر بأسئلة كثيرة، وقلوب تحاول الفهم قبل أي شيء آخر.
يظهر اضطراب طيف التوحد في سنوات الطفولة الأولى، ليغيّر مسار حياة الطفل وأسرته معًا. فجأة تجد الأم نفسها تراقب نظرات طفلها، حركاته، صمته الطويل، وتسأل: لماذا لا يتكلم؟ لماذا لا ينظر في عينيّ؟ لماذا يبدو قريبًا وبعيدًا في آن واحد؟ تلك الأسئلة المؤلمة تكون غالبًا أول بوابة لاكتشاف عالم التوحد.
وطيف التوحد هو مصطلح واسع، لأنه لا يشبه أحدًا تمامًا. فلكل طفل قصته، ولكل حالة تفاصيلها الخاصة. قد يجتمع الأطفال المصابون بالتوحد في صعوبات التواصل والتفاعل الاجتماعي، وفي سلوكيات متكررة أو اهتمامات محدودة، لكن قلوبهم تظل مليئة بالمشاعر، حتى وإن عجزت الكلمات عن إخراجها إلى النور. بعضهم ينزعج من صوت مرتفع، أو ضوء قوي، أو لمسة غير متوقعة، وكأن العالم الخارجي أحيانًا يكون قاسيًا أكثر مما يحتملون.
أما أسباب التوحد، فهي ليست خطأ أحد، ولا ذنب أسرة، بل نتيجة تداخل عوامل جينية وبيئية وعصبية مرتبطة بنمو الدماغ. ورغم التقدم العلمي، يبقى التوحد لغزًا جزئيًا، يحتاج إلى مزيد من البحث والفهم، بدل الأحكام السريعة أو اللوم الجارح.
رحلة التشخيص ليست سهلة، فهي مرحلة قاسية نفسيًا على الأسرة، مليئة بالخوف والإنكار والدموع. تبدأ بتقييم السلوك والنمو، وتمر عبر اختبارات عصبية وتحاليل متعددة، لكنها في الحقيقة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فالتشخيص المبكر هو أول خطوة نحو الأمل، ونحو منح الطفل فرصة حقيقية للتطور والتقدم.
ثم تبدأ رحلة العلاج، وهي رحلة طويلة، تتطلب صبرًا يشبه الجبال، وقلبًا لا يعرف اليأس. علاج سلوكي، دعم نفسي، علاج وظيفي وطبيعي، قبل أن يكون كل ذلك حبًا غير مشروط، واحتواءً يوميًا، وإيمانًا بأن كل خطوة صغيرة هي انتصار كبير. فطفل التوحد لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى الفهم، وإلى من يؤمن بقدراته حتى وإن كانت مختلفة.
وعلى مستوى العالم، تشير التقديرات إلى أن واحدًا من كل 150 طفلًا قد يكون مصابًا بطيف التوحد، وهو رقم يجعلنا نتوقف طويلًا أمام مسؤوليتنا الإنسانية. وفي المغرب، تعيش أسر كثيرة هذه التجربة في صمت، وسط تحديات قاسية، تبدأ من قلة المراكز المتخصصة وضعف التمويل، وتمر بندرة الكفاءات المؤهلة، وتنتهي عند نظرة مجتمع لم يتصالح بعد مع الاختلاف.
التعليم يظل من أصعب المعارك التي تخوضها أسر أطفال التوحد، فمدارس كثيرة لا تزال غير مهيأة لاستقبالهم، ومعلمون يفتقدون التدريب اللازم، وبرامج تعليمية لا تراعي احتياجاتهم الخاصة. ومع تقدم العمر، تتضاعف التحديات، ليواجه المصابون بالتوحد صعوبات في الاندماج المهني وتحقيق الاستقلال، رغم أن كثيرين منهم يمتلكون قدرات ومواهب لو وجدت من يحتضنها لتغيرت حياتهم بالكامل.
ولا يمكن تجاهل المعاناة النفسية للأسر، أمهات وآباء يسهرون الليالي، يخوضون معارك يومية، بين جلسات العلاج، وضغوط الحياة، ونظرات المجتمع القاسية أحيانًا. هؤلاء الأهل أبطال حقيقيون، يستحقون الدعم لا اللوم، والاحتواء لا الإقصاء.
وبصفتي مدربة معتمدة دوليًا في مجال التوحد من أكاديمية علاء الدين الدولية وعدة أكاديميات أخرى، ومن خلال تجربة إنسانية ومهنية تمتد لأكثر من أربع عشرة سنة في تربية وتوجيه الأطفال المصابين بطيف التوحد، أقول بكل صدق إن المغرب يبذل جهودًا مشكورة عبر جمعيات المجتمع المدني والمراكز الخاصة، لكننا لا نزال بعيدين عن تلبية الاحتياجات الحقيقية لهذه الفئة البريئة. فما زلنا بحاجة إلى وعي أعمق، وسياسات أكثر جرأة، واستثمار حقيقي في الإنسان قبل أي شيء آخر.
التوحد ليس نهاية الحلم، بل بداية طريق مختلف. طريق يحتاج إلى صبر، وإيمان، وقلوب تعرف أن الاختلاف ليس ضعفًا، بل شكل آخر من أشكال الإنسانية. هؤلاء الأطفال لا يطلبون المستحيل، فقط يريدون أن يُروا، أن يُفهموا، وأن يُحبوا كما هم.





