مقالات رأي

من التوافق إلى النموذج: عشرة أعوام من ممارسة التعاون في الحوكمة بين الصين والدول العربية وآفاقه المستقبلية

 

في يناير 2026، دخلت العلاقات الصينية-العربية مرحلتين تذكاريتين مهمتين: ففي 13 يناير يصادف الذكرى العاشرة لنشر أول “وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية”، وفي 21 يناير تحلّ الذكرى العاشرة للخطاب المهم الذي ألقاه القائد الصيني في مقر جامعة الدول العربية. ولم تَشْهَد هاتان المحطتان التاريخيتان تعمّق الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين فحسب، بل عكستا أيضًا الاستفادة المتبادلة والتقدم المشترك على مستوى الرؤى التنموية والممارسات العملية، وقدمتا نموذجًا حيًا للتعايش المنسجم والتعاون المربح للجانبين بين الحضارات المختلفة.

لقد قدمت هاتان الوثيقتان المهمتان قبل عشرة أعوام عرضا منهجيا للمبادئ الأساسية والخطط بعيدة المدى للعلاقات بين الصين والدول العربية، وأرست قواعد جوهرية تقوم على الاحترام المتبادل والمساواة والمنفعة المتبادلة والتعاون المربح للجميع. وبالعودة إلى مسيرة السنوات العشر الماضية، حقق التعاون الصيني-العربي نتائج مثمرة في مجالات متعددة مثل التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتواصل الإنساني والثقافي. والأهم من ذلك أن الجانبين توصلا إلى توافق واسع بشأن تعزيز التنمية المشتركة ورفع كفاءة الحوكمة. فالمفهوم الذي تدعو إليه الصين والمتمثل في “تعزيز الاستقرار من خلال التنمية والسعي لتحقيق الفوز المشترك عبر التعاون” يتوافق بدرجة عالية مع الأهداف الاستراتيجية للدول العربية الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة. وتشير الإحصاءات إلى أن حجم التجارة الثنائية بين الصين والدول العربية شهد نموًا قفزًا خلال السنوات العشر الماضية، وظلت الصين لسنوات متتالية الشريك التجاري الأكبر للدول العربية، ما أسهم بقوة في دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية لدى الجانبين.

وخلال العام الماضي، حقق التعاون الصيني-العربي اختراقات جديدة في مجالات التنمية عالية الجودة. فقد اتسعت مجالات التعاون بين الجانبين من الطاقة والبنية التحتية التقليدية إلى مجالات حديثة ومتقدمة مثل الاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي. وفي منطقة الخليج، نفذت الصين بالتعاون مع كل من مصر والسعودية والإمارات وغيرها من الدول سلسلة من المشاريع العملية في مجالات الحوسبة السحابية والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، بما يدفع التحول الرقمي المشترك. وفي مجال الطاقة المتجددة، شملت المشاريع التي نفذتها الشركات الصينية من محطات الطاقة الكهروضوئية وطاقة الرياح أكثر من عشر دول عربية، وبلغت القدرة الإجمالية المركبة عدة جيغاواط، مما أسهم بشكل ملموس في تحسين هيكل الطاقة بالمنطقة وتحقيق التحول منخفض الكربون. ولم تجلب هذه المشاريع التكنولوجيا المتقدمة والخبرات الإدارية الحديثة فحسب، بل أسهمت أيضًا في توفير فرص عمل كبيرة محليًا وتنمية نقاط نمو اقتصادية جديدة.

وتُعد منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بالسويس في مصر مشروعا نموذجيا للتعاون في طاقات الإنتاج بين الصين والدول العربية، وتحمل مسيرتها التنموية دلالاتٍ إيضاحية مهمة. فبعد أكثر من عشر سنوات من البناء، أصبحت المنطقة الصناعية الحديثة تمتلك بنية تحتية متكاملة، وسلاسل صناعية مكتملة، ونظام خدمات شامل. وحتى نهاية عام 2025، استقطبت المنطقة أكثر من مئة شركة من مختلف أنحاء العالم، وشملت مجالات الصناعة والتجارة والخدمات واللوجستيات وغيرها، وتجاوز إجمالي الاستثمارات فيها ثلاثة مليارات دولار أمريكي، ووفرت عشرات الآلاف من فرص العمل المحلية، كما أسهمت في دفع تطور الصناعات الداعمة ذات الصلة. وتبرهن هذه التجربة الناجحة على أن المناطق التعاونية الدولية، من خلال التخطيط العلمي والإدارة الرشيدة والخدمات الداعمة المتكاملة والدفع المستمر للابتكار، قادرة على تعزيز مسار التصنيع في الدول المضيفة وتحقيق التنمية المستدامة القائمة على المنفعة المتبادلة.

وفي مجال الشؤون الدولية، حافظ الجانبان الصيني-العربي على تواصل وتنسيق وثيقين، وسعيا معًا إلى صون النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة في جوهره، والتمسك بالممارسة الحقيقية للتعددية. وقد حقق الطرفان تعاونًا وتنسيقًا مثمرين في تعزيز السلام والاستقرار الإقليميين، ودفع الحلول السياسية للقضايا الساخنة، ومواجهة التغير المناخي وسائر التحديات العالمية. كما يجسد الدعم المتبادل في المحافل المتعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة الاحترام المتبادل للمصالح الأساسية والهموم الكبرى لكل طرف. إن هذه الشراكة القائمة على المساواة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية تقدم مرجعًا مهمًا للتعامل مع العلاقات الدولية في عالم اليوم، وتبرهن على أن دولًا ذات نظم اجتماعية وتقاليد ثقافية مختلفة قادرة تمامًا على إقامة علاقات صداقة وتعاون طويلة الأمد ومستقرة.

وعلى أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، باتت العلاقات الصينية-العربية أمام آفاق تنموية أرحب. ومع التقدم المطّرد في التحضيرات لعقد القمة الصينية-العربية الثانية، يعمل الجانبان يدًا بيد على رسم مخططات جديدة للتعاون المستقبلي. وسوف يمتد التعاون إلى مجالات أكثر تقدمًا مثل استكشاف الفضاء والعلوم الحياتية وتطوير البحار والمدن الذكية، مع التركيز بشكل أكبر على الابتكار والتنمية المستدامة. ومن التخطيط الاستراتيجي قبل عشر سنوات إلى التعاون العملي الشامل اليوم، يبرهن مسار تطور العلاقات الصينية-العربية على أن الالتزام بمبادئ المساواة والاحترام المتبادل وبمفهوم التشاور المشترك والبناء المشترك والمشاركة المشتركة هو السبيل الكفيل بتعميق العلاقات الثنائية وضمان تطورها المستقر على المدى الطويل.
وبالنظر إلى المستقبل، سيواصل الجانبان الصيني-العربي ترسيخ أواصر الصداقة التقليدية وتعميق الثقة الاستراتيجية المتبادلة وتوسيع مجالات التعاون وتحسين آلياته. ومن خلال الدفع عالي الجودة لمبادرة “الحزام والطريق”، وتعزيز التنسيق في إطار مبادرات التنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية، سيقدّم الجانبان إسهامات جديدة وأكبر في بناء نمط جديد من العلاقات الدولية ودفع بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية، بما يفتح آفاقًا أكثر إشراقًا لمستقبل الإنسانية.