أرمينيا تهدي أوروبا ذاكرة العدالة: «كتاب القضاء» رسالة تاريخية تؤكد ترسّخ سيادة القانون في يوبيل الانضمام الـ25
احمد دياب

في مناسبةٍ تختلط فيها نبرة الاحتفاء بعمق التاريخ، وتلتقي فيها الدبلوماسية بالتراث الحضاري، قدّمت جمهورية أرمينيا هدية استثنائية إلى مجلس أوروبا بمناسبة مرور خمسةٍ وعشرين عامًا على انضمامها إلى هذه المؤسسة الأوروبية العريقة. فقد سلّم وزير الخارجية الأرمني أرارات ميرزويان إلى الأمين العام لمجلس أوروبا، آلان بيرسيه، نسخةً مستنسخة بخط اليد من مخطوطة «كتاب القضاء» («داتستاناغيرك») — أول قانون قضائي في التاريخ الأرمني — في خطوة تعكس تقدير يريفان العميق للمبادئ التي يقوم عليها المجلس، وفي مقدمتها سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان.
هذه الهدية لم تكن مجرد أثرٍ تاريخي يُضاف إلى مقتنيات مؤسسة دولية، بل جاءت كرسالةٍ رمزية تؤكد أن القيم القانونية التي تتبناها أوروبا اليوم لها جذور ضاربة في حضاراتٍ عريقة، وأن أرمينيا، بتاريخها الممتد، كانت من أوائل الأمم التي أدركت أهمية القانون كركيزةٍ لاستقرار المجتمعات وتنظيم شؤونها.
هدية تحمل معنى يتجاوز الزمن
بمناسبة هذا اليوبيل التاريخي، أعرب وزير الخارجية الأرمني عن اعتزازه بتسليم نسخةٍ مستنسخة بخط اليد من جزءٍ من مؤلَّف «داتستاناغيرك»، مؤكدًا أن هذا العمل بالغ الأهمية، الذي ألّفه فيلسوف القرن الثاني عشر والمشرّع مخيتار غوش، يُعد حجر الأساس للفكر القانوني الأرمني.
وقد أرست هذه المخطوطة، قبل قرون طويلة، فهمًا مبكرًا لمبدأ سيادة القانون — ذلك المبدأ الذي يشكّل اليوم المحور الحيوي لمجلس أوروبا والعمود الفقري للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ومن هنا، بدت الهدية وكأنها جسرٌ ثقافي يربط الماضي بالحاضر، ويذكّر بأن العدالة ليست مفهومًا حديثًا، بل إرث إنساني تشكّل عبر تجارب الشعوب.
وقال ميرزويان: “نحن واثقون بأن هذه الهدية، التي تعكس القيم الجوهرية المشتركة بين أرمينيا ومجلس أوروبا، ستحتل مكانة مرموقة داخل هذه المؤسسة، لتغدو رمزًا لاحترامنا العميق والتزامنا الراسخ بمبادئها. كما تعبّر عن امتناننا لإسهام مجلس أوروبا الجوهري في حماية حقوق وحريات مواطني أرمينيا.”
«داتستاناغيرك»… عندما يتحوّل القانون إلى هوية وطنية
لا يُنظر إلى «كتاب القضاء» باعتباره مجرد مجموعة قوانين قديمة، بل بوصفه وثيقةً أسهمت في تشكيل الوعي القانوني للأمة الأرمنية. فقد نجح هذا المؤلَّف في وضع أسسٍ واضحة لتنظيم المجتمع، وحماية الحقوق، وتعزيز قيم العدالة في مرحلةٍ تاريخية اتسمت بالتعقيد والتنوع الديني والثقافي.
إن تقديم نسخةٍ مكتوبة بخط اليد تحديدًا يحمل دلالة إضافية؛ فهو يعكس احترام أرمينيا لفن المخطوطات التقليدية، ويؤكد أن المعرفة التي صمدت عبر القرون تستحق أن تُنقل إلى الأجيال الجديدة بروحها الأصلية، لا كمعلومةٍ مجردة بل كجزءٍ من ذاكرة إنسانية حيّة.

اعتراف عالمي يكرّس قيمة المخطوطة
تتضاعف أهمية هذه الهدية في ضوء الاعتراف الدولي الذي حظي به «داتستاناغيرك هايوتس» مؤخرًا؛ إذ تم في 10 أبريل 2025، وخلال الدورة الـ221 للمجلس التنفيذي لليونسكو، تسجيل هذا العمل في السجل الدولي لذاكرة العالم (Memory of the World Register)، بقرارٍ أُقرّ بالإجماع من الدول الأعضاء.
ويمثّل هذا الإدراج شهادةً عالمية على القيمة الاستثنائية للمخطوطة، ليس فقط بوصفها إرثًا أرمنيًا، بل باعتبارها مساهمةً إنسانية في تطور الفكر القانوني. فوثائق «ذاكرة العالم» تُختار عادة لما تحمله من تأثيرٍ عابرٍ للحدود، ولقدرة محتواها على إضاءة جوانب حاسمة من تاريخ البشرية.
مخيتار غوش… الراهب الذي كتب العدالة
يعرف كثيرون مخيتار غوش بوصفه مؤلفًا للأمثال، غير أن هذه الصورة لا تكشف سوى جانبٍ من شخصيةٍ استثنائية. فقد كان هذا الراهب واحدًا من أبرز القادة الفكريين في الحياة الروحية والسياسية والثقافية الأرمنية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر.
جمع غوش بين الفلسفة والتشريع والتربية، وتميّز برؤيةٍ إصلاحية سعت إلى بناء مجتمعٍ أكثر توازنًا وعدالة. ومن خلال «كتاب القضاء»، لم يكتفِ بصياغة قوانين، بل قدّم تصورًا شاملًا لكيفية إدارة المجتمع، وضبط العلاقات بين أفراده، وترسيخ القيم الأخلاقية.
لقد أدرك مبكرًا أن قوة المجتمعات لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بصلابة منظومتها القانونية وعدالة مؤسساتها.
1184… ميلاد موسوعة قانونية سبقت عصرها
أُلِّف «كتاب القضاء» عام 1184 استجابةً لحاجةٍ ملحّة لحماية حقوق الأرمن في بيئةٍ مغايرة دينيًا، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، ونشر القيم المسيحية، ومعالجة مختلف التحديات التي واجهت المجتمع آنذاك.
استندت قوانين الكتاب إلى العهدين القديم والجديد، وإلى القانونين الكنسي والعرفي الأرمنيين، ما أتاح صياغة إطارٍ قانوني يجمع بين الروح الدينية والتنظيم المدني. وقد تراوح عدد القوانين، التي وصلتنا عبر صيغٍ تحريرية مختلفة، بين 251 و254 قانونًا، وهو رقم يعكس شمولية هذا العمل ودقته.
ولم تقتصر هذه القواعد على فئةٍ دون أخرى؛ بل شملت جميع الطبقات الروحية والدنيوية، لتصبح المخطوطة أشبه بموسوعةٍ للحياة الأرمنية في العصور الوسطى. فمن خلالها يمكن استكشاف تفاصيل دقيقة عن الحياة اليومية، وأنماط المعيشة، والعلاقات الاجتماعية، بل وحتى التحديات التي واجهت المجتمع وسبل معالجتها.

سيادة القانون… لغة مشتركة بين أرمينيا وأوروبا
إن اختيار «كتاب القضاء» ليكون هدية اليوبيل ليس أمرًا عابرًا؛ فهو يعكس إدراكًا عميقًا بأن سيادة القانون تمثل لغةً مشتركة تجمع أرمينيا بالمؤسسات الأوروبية. فالمبدأ الذي دافع عنه مخيتار غوش قبل قرون ما يزال اليوم حجر الزاوية في البناء الديمقراطي الأوروبي.
ومن هذا المنطلق، بدت الهدية وكأنها إعلانٌ رمزي بأن أرمينيا لا ترى في عضويتها مجرد انتماءٍ مؤسسي، بل شراكة قائمة على قيمٍ متجذرة في تاريخها.
الدبلوماسية الثقافية… حين يتحدث التراث
تعكس هذه المبادرة أيضًا قوة الدبلوماسية الثقافية، حيث تتحول المخطوطات والآثار إلى أدوات حوارٍ بين الأمم. فالتراث، عندما يُقدَّم بهذه الطريقة، لا يكون مجرد تذكيرٍ بالماضي، بل يصبح منصةً لبناء الثقة وتعزيز التفاهم.
ومن خلال هذه الهدية، ترسل أرمينيا رسالة واضحة مفادها أن احترام القانون ليس شعارًا سياسيًا، بل جزء من هويتها الحضارية، وأن التمسك بالمبادئ المشتركة هو الطريق نحو مستقبلٍ أكثر استقرارًا.
ربع قرن من الشراكة… ومسار نحو المستقبل
يمثّل مرور خمسةٍ وعشرين عامًا على انضمام أرمينيا إلى مجلس أوروبا محطةً مفصلية في تاريخها الحديث، إذ ارتبط هذا المسار بسلسلة من الإصلاحات القانونية والمؤسسية، وبجهودٍ متواصلة لتعزيز الحريات العامة وترسيخ الديمقراطية.
ويأتي الاحتفاء بهذا اليوبيل ليؤكد أن العلاقة بين أرمينيا والمجلس لم تعد مجرد إطارٍ رسمي، بل تحوّلت إلى شراكةٍ حقيقية تقوم على التعاون وتبادل الخبرات والعمل المشترك.

مخطوطة تختصر حكاية أمة
في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى «كتاب القضاء» كوثيقةٍ قانونية فحسب؛ فهو شهادة على قدرة أمةٍ صغيرة جغرافيًا، كبيرة حضاريًا، على إنتاج فكرٍ سبق عصره وأسهم في تشكيل مفاهيم العدالة.
وبينما تستقر هذه النسخة المستنسخة في أروقة مجلس أوروبا، فإنها ستظل تروي قصة شعبٍ آمن بأن القانون هو الضامن الأول لكرامة الإنسان، وأن العدالة ليست خيارًا مرحليًا، بل إرثٌ يجب صونه ونقله عبر الأجيال.
هكذا، تتحول هدية أرمينيا إلى أكثر من مجرد مخطوطة — إنها إعلانٌ بأن التاريخ، عندما يُستحضر بوعي، يمكن أن يصبح قوةً ناعمة تُلهم الحاضر وتفتح أبواب المستقبل.





