إشادة أوروبية بقيادة الملك محمد السادس… المغرب يعزز حضوره كقوة دافعة للسلام والاستقرار إقليميًا ودوليًا

احمد دياب
في لحظة دبلوماسية تعكس تحولات عميقة في خريطة التأثير السياسي، وجّه الاتحاد الأوروبي من العاصمة البلجيكية بروكسل إشادة لافتة بالدور الريادي الذي يضطلع به العاهل المغربي الملك محمد السادس في دعم جهود السلام وتعزيز الاستقرار، مؤكّدًا دعمه لعمل لجنة القدس التي يرأسها جلالته، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للدفاع عن فرص التسوية العادلة والدائمة في الشرق الأوسط.
وجاء هذا الموقف ضمن البيان المشترك الصادر عقب انعقاد الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، في خطوة تحمل دلالات سياسية مهمة، وتؤشر إلى مستوى متقدم من الثقة الأوروبية في الرؤية الاستراتيجية للمملكة المغربية، كما تعكس تنامي الاعتراف الدولي بالمغرب كفاعل مؤثر في القضايا الإقليمية والدولية.
الملك محمد السادس… صوت الحكمة في زمن الأزمات
أكد الاتحاد الأوروبي دعمه الصريح لعمل لجنة القدس، مشيدًا بالدور الذي يقوم به الملك محمد السادس كمدافع عن السلام ووسيط يحظى بالمصداقية في الجهود الرامية إلى إيجاد حل عادل ومستدام للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، قائم على مبدأ حل الدولتين. وتأتي هذه الإشادة في سياق دولي بالغ التعقيد، حيث تتزايد التوترات وتتعثر مسارات التسوية، ما يجعل من الأدوار المتزنة والمسؤولة عنصرًا حاسمًا في إعادة إحياء الأمل بسلام شامل.
ولا يُنظر إلى لجنة القدس باعتبارها إطارًا سياسيًا فحسب، بل كمنصة تجمع بين العمل الدبلوماسي والبعد الإنساني، إذ تواصل جهودها لحماية الهوية الحضارية للمدينة المقدسة، ودعم صمود سكانها، والدفع نحو تسوية تضمن الحقوق المشروعة وتؤسس لمرحلة جديدة من التعايش.
شريك يعتمد عليه في عالم مضطرب
أبرز البيان الأوروبي أيضًا الدور البنّاء والمتبصر الذي يلعبه المغرب في إطار مبادرات التعاون الإقليمي، وهو توصيف يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا لقدرة الرباط على المساهمة في إدارة الأزمات وصناعة الاستقرار داخل محيط يتسم بتحديات متشابكة.
فالمغرب، الذي انتهج عبر السنوات سياسة خارجية متوازنة، نجح في ترسيخ صورة الدولة التي تفضّل الحوار على التصعيد، وتبحث عن مساحات التوافق بدل توسيع دوائر الخلاف. هذا النهج أكسبه مكانة الشريك الموثوق، ليس فقط لدى الاتحاد الأوروبي، بل أيضًا لدى العديد من القوى الدولية التي باتت تنظر إلى المملكة باعتبارها نموذجًا للدبلوماسية الهادئة والفعالة.
ويرى متابعون أن هذا التقدير الأوروبي لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة تراكمات من المبادرات السياسية والاقتصادية والأمنية التي جعلت المغرب حاضرًا بقوة في ملفات تتجاوز حدوده الجغرافية.
المبادرة الإفريقية الأطلسية… رؤية تتجاوز الجغرافيا
استحوذت المبادرة التي أطلقها الملك محمد السادس عام 2022 لفائدة الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي على اهتمام خاص خلال مباحثات مجلس الشراكة، لما تحمله من أبعاد جيو-استراتيجية تعيد رسم ملامح التعاون داخل القارة الإفريقية.
فالمبادرة، التي تجمع 23 دولة، لا تهدف فقط إلى تعزيز الحوار، بل تسعى إلى تحويل الفضاء الإفريقي الأطلسي إلى منطقة ديناميكية للتكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة، بما يخلق فرصًا جديدة للنمو ويحد من بؤر الهشاشة التي طالما أعاقت انطلاقة العديد من اقتصادات المنطقة.
وتعكس هذه الرؤية إدراكًا استباقيًا للتحولات العالمية، حيث باتت الممرات البحرية والفضاءات الأطلسية تحظى بأهمية متزايدة في معادلات التجارة والأمن والطاقة. ومن خلال هذا المشروع، يطرح المغرب نفسه قوة اقتراح قادرة على استشراف المستقبل، وليس مجرد متفاعل مع أزماته.
حوار سياسي يكرّس مكانة المغرب

أوضحت وزارة الخارجية المغربية أن الحوار السياسي الذي طبع هذه الدورة يجسد وجاهة الرؤية الاستراتيجية للعاهل المغربي، ويؤكد مكانة المملكة كفاعل رئيسي في مجالات السلم والاستقرار والتنمية المشتركة داخل فضائها الإقليمي.
كما أظهرت المناقشات تقاربًا واضحًا في وجهات النظر بين الرباط وبروكسل بشأن عدد من القضايا الحيوية، وهو ما يعكس انتقال العلاقات بين الطرفين من مستوى الشراكة التقليدية إلى مرحلة أكثر عمقًا تقوم على تنسيق المواقف وتبادل الرؤى حول التحديات العالمية.
هذا التقارب لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد ليشمل مجالات اقتصادية وتنموية وأمنية، الأمر الذي يمنح هذه الشراكة طابعًا استراتيجيًا طويل الأمد.
حضور أوروبي رفيع يؤكد أهمية الشراكة
ترأس مجلس الشراكة من الجانب المغربي وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، فيما شاركت من الجانب الأوروبي الممثلة السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس. كما تميزت الدورة بحضور المفوضة الأوروبية المكلفة بالمتوسط دوبرافكا سويكا، إلى جانب عدد من وزراء الخارجية الأوروبيين وممثلين سامين عن مختلف الدول الأعضاء، في مشهد يعكس الزخم الذي باتت تحظى به العلاقات المغربية–الأوروبية.
ويحمل هذا الحضور رسالة واضحة مفادها أن المغرب أصبح شريكًا لا يمكن تجاوزه في مقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه جواره الجنوبي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالأمن والهجرة والتنمية.
المغرب… جسر استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا
تتزايد القناعة داخل الدوائر الأوروبية بأن المغرب يشكل حلقة وصل حيوية بين القارتين الأوروبية والإفريقية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي المتميز وشبكة علاقاته الاقتصادية والسياسية المتشعبة. وقد مكّنه هذا الموقع من لعب دور الوسيط الذي يسهّل تدفق الاستثمارات ويعزز التعاون الثلاثي، بما يخدم مصالح مختلف الأطراف.
ومع تسارع التحولات الدولية، يبدو أن الرهان الأوروبي على المغرب يتجه نحو مزيد من الترسخ، خاصة مع قدرة المملكة على الجمع بين الاستقرار الداخلي والانفتاح الخارجي.

إشادة تعكس ثقة دولية متنامية
في مجملها، تعكس الإشادة الأوروبية بالدور الذي يقوده الملك محمد السادس حقيقة مفادها أن المغرب لم يعد مجرد فاعل إقليمي تقليدي، بل تحول إلى قوة دبلوماسية صاعدة تسهم في تشكيل ملامح التوازنات الجديدة.
وبينما يواجه العالم أزمات متلاحقة، من النزاعات الجيوسياسية إلى التحديات الاقتصادية، تبرز الحاجة إلى شركاء قادرين على بناء الجسور بدل الجدران، وهو الدور الذي يبدو أن المغرب نجح في ترسيخه بثبات.
هكذا تكرّس الشراكة المغربية–الأوروبية نفسها نموذجًا للتعاون القائم على المصالح المشتركة والرؤية بعيدة المدى، فيما يواصل المغرب تعزيز موقعه كركيزة للاستقرار ورافعة للحوار، وفاعل يراهن عليه المجتمع الدولي في صناعة مستقبل أكثر أمنًا وتوازنًا.




