توجيه الرئيس السيسي بشأن مخاطر الهواتف المحمولة.. رؤية استراتيجية لحماية الطفولة المصرية

أ.ش.أ
في خطوة تاريخية تعكس وعياً عميقاً بالتحديات التي تواجه الأجيال الجديدة، وجه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي البرلمان وحكومة الدكتور مصطفى مدبولي، بدراسة إعداد وإصدار تشريعات تنظم استخدام الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي للأطفال والمراهقين.
ولم يأت التوجيه الرئاسي من فراغ، بل جاء كاستجابة واعية لظاهرة خطيرة تهدد ثوابت المجتمع المصري وهويته الثقافية وقيم الأسرة التي بنيت عليها الحضارة المصرية عبر آلاف السنين.
ويعكس هذا التوجيه إدراك القيادة السياسية لحجم التأثيرات السلبية الجسيمة التي تتركها التكنولوجيا غير المنضبطة على النشء، والتي باتت تشكل تهديداً حقيقياً للصحة النفسية والجسدية للأطفال، فضلاً عن تأثيرها المباشر على المنظومة القيمية والأخلاقية التي يتربى عليها الجيل الجديد؛ فالرئيس السيسي لم يكتف بالتحذير من هذه المخاطر بحسب، بل حول التحذير إلى فعل ملموس، من خلال توجيه المؤسسات المعنية للتحرك الفوري لحماية أطفال مصر من التوحش الرقمي.
(الاستجابة المؤسسية السريعة تؤكد جدية التوجه)
فور صدور التوجيه الرئاسي، تحركت مؤسسات الدولة المختلفة بشكل متزامن ومنسق يعكس الإدراك العميق لخطورة الملف وضرورة التعامل معه بحزم وسرعة.
وأصدر مجلس النواب بياناً أكد فيه بدء التحرك الفعلي نحو إعداد مشروع قانون شامل، ينظم استخدام الأطفال لتطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي، بما يعكس إدراك الدولة العميق لحجم التحديات التي تواجه أطفال مصر من مخاطر نفسية وسلوكية نتيجة الاستخدام المفرط للتطبيقات، بشكل قد يصل إلى حد الإدمان الرقمي.
وأعلنت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، إطلاق حوار مجتمعي موسع يشمل كافة الأطراف المعنية، من أولياء أمور، وخبراء نفسيين وتربويين، وممثلي المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية؛ بهدف الوصول إلى صيغة قانونية متوازنة تحمي الأطفال دون أن تحرمهم من الفوائد التعليمية والمعرفية للتكنولوجيا، في نهج تشاركي يعكس حرص الدولة على أن يكون القانون المرتقب، معبراً عن إرادة المجتمع بأكمله وليس مجرد قرار فوقي.
ومن جانبها.. أعلنت الحكومة بدء العمل على إعداد مشروع قانون متكامل يضع ضوابط صارمة لاستخدام الأطفال للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، مع التركيز على حمايتهم من المخاطر النفسية والسلوكية والأمنية المتعددة.
ويتضمن المشروع آليات تنفيذية واضحة وعقوبات رادعة، تضمن الالتزام بالضوابط الجديدة، فضلاً عن تطوير منظومة تقنية تساعد الأسر على ممارسة الرقابة الأبوية الفعالة.
(المجلس القومي للطفولة يرسم الخطوط الحمراء)
وفي خطوة غير مسبوقة.. أصدر المجلس القومي للطفولة والأمومة بياناً تفصيلياً يضع خطوطاً حمراء صارمة لحماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي، مؤكدا أن حماية النشء من التوحش الرقمي، باتت ضرورة وطنية ملحة لا تحتمل التأجيل.
وجاء على رأس هذه المحظورات، الحظر التام لتصوير الأطفال أو تداول صورهم وبياناتهم الشخصية عبر المنصات الرقمية، دون موافقة رسمية من أولياء الأمور؛ وذلك لحمايتهم من مخاطر الاستغلال والابتزاز الإلكتروني.
وشدد المجلس على منع تعريض الأطفال لأي محتوى ضار أو غير ملائم لفئاتهم العمرية، سواء كان ذلك المحتوى يحمل طابعاً عنيفاً أو جنسياً أو يروج لأفكار متطرفة أو سلوكيات منحرفة.
كما أعلن المجلس تجريم إخضاع الصغار لأي شكل من أشكال التنمر أو الابتزاز أوالاستغلال الإلكتروني، مع فرض عقوبات صارمة على المخالفين، تصل إلى السجن والغرامات المالية الضخمة.
ومن بين الضوابط الحاسمة التي أعلنها المجلس أيضاً، منع التواصل مع الأطفال عبر الوسائط الرقمية خارج الأطر الرسمية والقانونية المعتمدة، وذلك لحمايتهم من محاولات الاستدراج والاستغلال من قبل أشخاص مجهولين قد يستخدمون الإنترنت كوسيلة للوصول إلى الأطفال وإيذائهم.
(نموذج الرقابة المتوازنة كحل استراتيجي)
ودعا المجلس القومي للطفولة والأمومة إلى تبني نموذج الرقابة المتوازنة المستوحى من التجارب الدولية الرائدة، والذي يجمع بين إتاحة فوائد الإنترنت للطفل، وبين فرض رقابة صارمة على المحتوى المقدم له، لضمان الوقاية قبل وقوع الخطر.
ولا يهدف هذا النموذج إلى عزل الأطفال عن التكنولوجيا بشكل كامل، بل يسعى إلى تنظيم استخدامها، بما يحقق أقصى استفادة ممكنة، مع الحد الأدنى من المخاطر.
ويرتكز نموذج الرقابة المتوازنة على عدة محاور رئيسية، أولها بناء وعي الأسر والمؤسسات التعليمية بآليات الحماية الرقمية وسبل الإبلاغ عن أي انتهاكات أو مخاطر يتعرض لها الأطفال، ويتطلب ذلك تنفيذ برامج تدريبية مكثفة للآباء والمعلمين، لتمكينهم من فهم المخاطر الرقمية وكيفية التعامل معها بشكل فعال، بالإضافة إلى تطوير مناهج تعليمية، تتضمن مقررات حول الأمن السيبراني والاستخدام الآمن للإنترنت.
أما المحور الثاني، فيتعلق بتطوير أدوات تقنية تساعد الأسر على مراقبة استخدام أطفالهم للهواتف والإنترنت، مثل تطبيقات الرقابة الأبوية التي تسمح بتحديد أوقات الاستخدام وتصفية المحتوى الضار وتتبع النشاطات الرقمية للأطفال، وهي أدوات يجب أن تكون متاحة ومجانية لجميع الأسر المصرية، مع تقديم الدعم الفني اللازم لاستخدامها بشكل صحيح.
(الأرقام الصادمة تكشف حجم الأزمة)
وتكشف الإحصائيات الرسمية والدراسات المتخصصة عن حجم الأزمة التي دفعت القيادة السياسية للتدخل العاجل، حيث أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن 46.9 % من الأطفال المصريين في الفئة العمرية من أربع سنوات إلى 17 سنة، يستخدمون الهواتف المحمولة بشكل منتظم، وهي نسبة مرتفعة تثير القلق، خاصة مع تزايد المخاطر المرتبطة بهذا الاستخدام.
وكشف مركز معلومات مجلس الوزراء، أن 27% من الأطفال الذين يستخدمون الإنترنت لأكثر من ثلاث ساعات يومياً، يسجلون درجات عالية أو عالية جداً فيما يتعلق باعتلال الصحة العقلية، مما يؤكد الارتباط المباشر بين الاستخدام المفرط للهواتف، وتدهور الصحة النفسية للأطفال، وهذه الأرقام تتماشى مع التحذيرات التي أطلقها خبراء الصحة النفسية حول العالم بشأن تأثير الشاشات على الأطفال.
ولا يتوقف تأثير انشغال الأطفال بشاشات الهواتف المحمولة أو مواقع التواصل الاجتماعي على الجوانب النفسية فقط، ولكنها صحية أيضاً، في ظل تعرض أدمغتهم في مرحلة النمو الحرجة، لتأثيرات سلبية قد تكون دائمة، في وقت يكون الطفل في أمس الحاجة إلى التفاعل الإنساني المباشر واللعب الحركي، لتطوير مهاراته الاجتماعية والحركية واللغوية، وليس للجلوس أمام شاشة مضيئة لساعات طويلة.
وتشير بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر بلغ 93 مليون مستخدم، بينما يستخدم الهاتف المحمول نحو 90 مليون شخص، فصلا عن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس الانتشار الهائل للتكنولوجيا الرقمية في المجتمع المصري، وبالتالي حجم التحدي الذي تواجهه الدولة في حماية الأطفال من مخاطرها.
(التهديد الأمني والأخلاقي يتصاعد)
ولا تقتصر المخاطر على الجوانب الصحية والنفسية فحسب، بل تمتد لتشمل تهديدات أمنية وأخلاقية خطيرة، حيث يحذر خبراء الأمن السيبراني من تزايد حالات الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت، من خلال قيام العناصر الاجرامية باستغلال منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، للوصول إلى الأطفال واستدراجهم.. ويبدأ الأمر عادة بمحادثات بريئة المظهر، ثم يتطور تدريجياً إلى طلب صور شخصية أو معلومات حساسة، يتم استخدامها لاحقاً في الابتزاز.
وتشير التقارير الأمنية إلى ارتفاع ملحوظ في جرائم التحرش الإلكتروني بالأطفال، حيث يتعرض الآلاف منهم سنوياً لمضايقات وتهديدات عبر الإنترنت، مما يعرض الضحايا لصدمات نفسية عميقة قد تستمر معهم لسنوات طويلة، وقد يؤدي ذلك في بعض الحالات إلى عواقب مأساوية، مثل الانتحار أو الهروب من المنزل.
ومن المخاطر الأخلاقية الكبرى، تعرض الأطفال لمحتوى إباحي أو عنيف غير ملائم لأعمارهم، مما يؤثر على تطورهم الأخلاقي والنفسي بشكل خطير.
وتشير الدراسات إلى أن معظم الأطفال يتعرضون لمحتوى إباحي لأول مرة في سن مبكرة جداً عن طريق الصدفة أثناء تصفحهم للإنترنت، وهو ما يترك انطباعات خاطئة عن العلاقات الإنسانية والسلوك الجنسي السليم.
وتشكل ظاهرة التنمر الإلكتروني تهديداً متزايداً، حيث يتعرض الأطفال للسخرية والإهانة والتهديد من قبل أقرانهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويختلف التنمر الإلكتروني عن التنمر التقليدي في أنه لا يتوقف عند انتهاء اليوم الدراسي، بل يلاحق الطفل في منزله وفي كل مكان، ويمكن أن ينتشر بسرعة كبيرة ليراه الآلاف، مما يضاعف الأذى النفسي الواقع على الضحية.
ويحذر الخبراء أيضاً من خطر الألعاب الإلكترونية التي تحرض على العنف والسلوك الإجرامي، والتي قد تؤثر على تطور الطفل الأخلاقي وتجعله أكثر عدوانية في تعاملاته اليومية، خاصة مع احتواء بعض هذه الألعاب على تحديات خطيرة، قد تدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم أو الآخرين، كما حدث في عدة حالات موثقة حول العالم.
(حماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي .. مسئولية مشتركة)
ولا بد من التأكيد على أن حماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل فرد في المجتمع، فالآباء والأمهات هم خط الدفاع الأول، وعليهم أن يدركوا خطورة ترك أطفالهم فريسة سهلة للعالم الافتراضي دون رقابة أو توجيه، حيث يجب أن يكونوا قدوة لأطفالهم في الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا، وأن يخصصوا أوقاتاً نوعية للتواصل المباشر مع أطفالهم بعيداً عن الشاشات.
المعلمون والمربون مسؤولون عن غرس الوعي الرقمي في نفوس الطلاب، وتعليمهم كيفية حماية أنفسهم في العالم الافتراضي، وكذلك المؤسسات الإعلامية عليها هي الأخرى مسؤولية كبيرة في نشر الوعي بالمخاطر وتقديم المحتوى الهادف الذي يمثل بديلاً جاذباً للأطفال عن المحتوى الضار المنتشر على الإنترنت.
والمجتمع المدني ومنظمات حقوق الطفل، مدعوة أيضاً للمشاركة الفاعلة في هذه المعركة، من خلال تنظيم الحملات التوعوية ومراقبة تطبيق القوانين والدفاع عن حقوق الأطفال في بيئة رقمية آمنة.
ويأتي الدور المحوري في هذه المعركة لرجال الدين من جميع الأديان، من خلال قيامهم بترسيخ المسؤولية الأخلاقية والدينية لحماية الأطفال، وفي تقديم الإرشاد الروحي للأسر حول كيفية التعامل مع تحديات العصر الرقمي.
وكذلك الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا والاتصالات، حيث عليها تحمل مسؤوليتها الاجتماعية والأخلاقية، وعدم وضع الربح المادي فوق سلامة الأطفال، بالإضافة إلى تعاونها مع الدولة في تطوير آليات حماية فعالة، وأن تلتزم طوعاً بأعلى معايير الحماية، حتى قبل إلزامها قانونياً بذلك.
ويمثل توجيه الرئيس السيسي بحماية الأطفال من مخاطر الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي، نقطة تحول في التعامل مع هذا الملف الحيوي.. إنه إعلان واضح من القيادة السياسية بأن حماية الطفولة المصرية، أولوية وطنية لا تقبل المساومة، وأن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تهديد يطال مستقبل الأمة بأكملها.
الأطفال الذين نحميهم اليوم، هم قادة الغد وبناة مصر المستقبل، وواجبنا جميعاً أن نوفر لهم بيئة آمنة تمكنهم من النمو السليم والتطور الصحي، دون التعرض لمخاطر قد تدمر مستقبلهم.
ويعكس هذا التوجه الرئاسي وعياً عميقاً بأن الأمن القومي لا يقتصر على الحدود الجغرافية والجيوش والأسلحة، بل يشمل أيضاً الأمن الرقمي وحماية عقول الأجيال القادمة من الغزو الفكري والثقافي والأخلاقي، إنه استشراف حكيم لمخاطر المستقبل واتخاذ خطوات استباقية لمواجهتها، قبل أن تتحول إلى كوارث لا يمكن تداركها، فمصر بهذا التوجه، تضع نفسها في مصاف الدول التي تدرك أن حماية الطفولة، هي استثمار في المستقبل وضمان للاستقرار والتقدم.






