تقارير

ليبيا تؤكد حضورها الدولي عبر منتدى التعاون العربي–الهندي وتدعم مسارات الاستقرار الإقليمي

 

حضور ليبي رفيع في منتدى نيودلهي يعزز فرص التعاون العربي–الهندي

منتدى التعاون العربي–الهندي في نيودلهي… شراكة استراتيجية تتسع لآفاق السياسة والاقتصاد وتؤكد مركزية القضايا الإقليمية

احمد دياب 

تتواصل في العاصمة الهندية نيودلهي أعمال منتدى التعاون العربي–الهندي في أجواء تعكس إدراكًا متناميًا لأهمية بناء شراكات متعددة الأبعاد بين الجانبين العربي والهندي، وذلك في إطار اجتماع كبار المسؤولين والوفود المشاركة، تمهيدًا لانعقاد الدورة الثانية للاجتماع الوزاري للمنتدى، التي يُنتظر أن تشكل محطة مفصلية في مسار العلاقات المشتركة، وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر ديناميكية من التعاون السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.

ويأتي انعقاد هذا المنتدى في ظل تحولات دولية متسارعة تفرض على التكتلات الإقليمية البحث عن صيغ تعاون أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات العالمية، سواء المرتبطة بالاقتصاد والطاقة، أو بالأمن الغذائي، أو بالتغيرات الجيوسياسية التي تعيد رسم ملامح النظام الدولي. ومن هذا المنطلق، يبرز المنتدى العربي–الهندي كمنصة حيوية للحوار والتنسيق، وكساحة لتعزيز المصالح المشتركة بين دول تمتلك تاريخًا عريقًا من التواصل الحضاري والتبادل التجاري.

تمثيل ليبي يعكس الحضور الدبلوماسي الفاعل

تحظى مشاركة دولة ليبيا في أعمال المنتدى بأهمية خاصة، حيث يمثلها سعادة السفير عبدالمطلب ثابت، مندوب ليبيا الدائم لدى جامعة الدول العربية، والمكلف بتسيير أعمال السفارة الليبية لدى جمهورية مصر العربية، في خطوة تعكس حرص الدبلوماسية الليبية على الحضور الفاعل في المحافل الدولية والإقليمية التي تناقش مستقبل التعاون والشراكات الاستراتيجية.

ويرافق السفير ثابت وفد دبلوماسي يضم السفير نجيب الرياني، مدير الإدارة العربية بوزارة الخارجية، إلى جانب الوزير المفوض بالمندوبية حسين عبدالحميد عبدربه، وهو ما يعكس جدية المشاركة الليبية واهتمامها بالإسهام في صياغة رؤية مشتركة للتعاون العربي–الهندي، خاصة في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة.

وتأتي هذه المشاركة في سياق تحركات دبلوماسية تهدف إلى تعزيز حضور ليبيا على الساحة الدولية، وإبراز التزامها بدعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي، والانخراط في مبادرات التعاون التي يمكن أن تسهم في دعم مسارات التنمية وإعادة البناء.

قضايا دولية وإقليمية على طاولة النقاش

يناقش اجتماع كبار المسؤولين حزمة واسعة من القضايا الدولية والإقليمية التي تتصدر أجندة الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي لا تزال تمثل محورًا أساسيًا في العمل العربي المشترك، وتحظى باهتمام متزايد من الشركاء الدوليين، في ظل الدعوات المستمرة لإيجاد حل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني ويحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما يحتل الملف الليبي موقعًا بارزًا في المناقشات، حيث جرى التأكيد على دعم العملية السياسية بملكية ليبية خالصة، تنتهي بإجراء انتخابات عامة في أقرب الآجال، بما يضع حدًا للمراحل الانتقالية المتعاقبة ويفتح الطريق أمام بناء مؤسسات مستقرة قادرة على تلبية تطلعات الشعب الليبي.

ويعكس هذا الطرح إدراكًا عربيًا ودوليًا متزايدًا بأن استقرار ليبيا يمثل ركيزة أساسية لأمن المنطقة، وأن التقدم في المسار السياسي من شأنه أن يسهم في تعزيز فرص التنمية وإعادة الإعمار، فضلًا عن الحد من تداعيات الأزمات التي تتجاوز حدود الدولة الواحدة.

تعاون متعدد المسارات… من السياسة إلى الاقتصاد

لم تقتصر المناقشات على القضايا السياسية فحسب، بل امتدت لتشمل أوجه التعاون في مختلف المجالات، السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى بناء شراكة طويلة الأمد تستند إلى المصالح المتبادلة والاحترام المشترك.

وفي الجانب الاقتصادي، تتزايد التطلعات إلى توسيع حجم التبادل التجاري، وتعزيز الاستثمارات المشتركة، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والصناعات التحويلية. وتُعد الهند واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، فيما تمتلك الدول العربية موارد وإمكانات استراتيجية تجعل من التكامل الاقتصادي بين الطرفين فرصة واعدة لتحقيق نمو مستدام.

أما على الصعيد الأمني، فقد تناولت الاجتماعات أهمية التنسيق في مواجهة التحديات العابرة للحدود، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتعزيز أمن الممرات البحرية، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في ظل اعتماد التجارة العالمية على

خطوط الملاحة التي تربط بين الشرق والغرب.

وفي المجال الاجتماعي والثقافي، برزت الدعوات إلى تعزيز التبادل المعرفي والتعليمي، وتشجيع التواصل بين الشعوب، بما يسهم في ترسيخ جسور التفاهم ويعزز من قوة العلاقات بعيدًا عن الإطار الرسمي.

برنامج تنفيذي طموح للأعوام 2026–2028

ومن أبرز الملفات التي بحثها الاجتماع إعداد مشروع برنامج تنفيذي للتعاون العربي–الهندي للأعوام 2026–2028، تمهيدًا لعرضه على الاجتماع الوزاري للمنتدى. ويُنظر إلى هذا البرنامج باعتباره خارطة طريق عملية لترجمة التفاهمات السياسية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

ويتوقع أن يتضمن البرنامج مبادرات لتعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير الشراكات التكنولوجية، ودعم الابتكار، إلى جانب إطلاق مشروعات مشتركة في مجالات الطاقة المتجددة والتحول الرقمي، وهي ملفات باتت تحتل موقعًا متقدمًا في أجندة التنمية العالمية.

كما يعكس التوجه نحو وضع برنامج محدد زمنياً رغبة واضحة لدى الجانبين في الانتقال من مرحلة الحوار إلى مرحلة الإنجاز، بما يعزز مصداقية المنتدى كإطار مؤسسي قادر على تحقيق قيمة مضافة للدول المشاركة.

الاجتماع الوزاري المرتقب… محطة لصياغة المستقبل

تمثل الدورة الثانية للاجتماع الوزاري للمنتدى محطة مرتقبة لصياغة ملامح المرحلة المقبلة من التعاون العربي–الهندي، حيث يُنتظر أن يعتمد الوزراء التوصيات الصادرة عن اجتماع كبار المسؤولين، وأن يحددوا أولويات العمل المشترك في ضوء المتغيرات الدولية.

وتتجه الأنظار إلى ما قد يسفر عنه الاجتماع من مبادرات نوعية تعزز الشراكة الاستراتيجية، خاصة في ظل التقارب المتزايد بين الدول العربية والهند، والذي يقوم على أسس من المصالح الاقتصادية، والتنسيق السياسي، والرغبة المشتركة في دعم الاستقرار الإقليمي.

شراكة تمتد جذورها في التاريخ وتتطلع إلى المستقبل

لا تُعد العلاقات العربية–الهندية وليدة اللحظة، بل تستند إلى تاريخ طويل من التبادل التجاري والتواصل الثقافي الذي عبر البحار منذ قرون، قبل أن يتطور إلى علاقات دبلوماسية واقتصادية متينة في العصر الحديث. واليوم، ومع تسارع وتيرة العولمة، تبدو هذه العلاقات مرشحة لمزيد من النمو، خاصة في ظل ما يمتلكه الطرفان من إمكانات بشرية واقتصادية هائلة.

ويؤكد انعقاد المنتدى في هذا التوقيت أن الجانبين يدركان أهمية العمل المشترك لمواجهة التحديات العالمية، وأن التعاون لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن منتدى التعاون العربي–الهندي في نيودلهي لا يمثل مجرد اجتماع دبلوماسي تقليدي، بل يشكل منصة استراتيجية لرسم ملامح شراكة مستقبلية قادرة على الإسهام في تحقيق الاستقرار ودفع عجلة التنمية، بما يخدم مصالح الشعوب ويعزز فرص الازدهار في منطقة تتطلع بثقة نحو آفاق جديدة من التعاون والتكامل.