تقارير

بلدية ليدا تعترف بالإبادة الجماعية للأرمن بالإجماع

قرار تاريخي يرسّخ الذاكرة ويطلق برنامجًا سنويًا لإحياء الذكرى في كاتالونيا

احمد دياب 

في خطوة وُصفت بالتاريخية على المستويين الحقوقي والإنساني، صوّتت بلدية مدينة ليدا الكاتالونية، خلال جلستها العامة المنعقدة في 30 يناير 2026، بالإجماع على قبول عريضة تطالب بالاعتراف الرسمي بالإبادة الجماعية للأرمن، وإقرار إحياء ذكراها سنويًا في المدينة.

العريضة قدّمها كلٌّ من المركز الدولي للأقليات العرقية والشعوب في كاتالونيا (CIEMEN) وجمعية “أرارات” الأرمنية العاملة في الإقليم، في إطار جهود متواصلة لتثبيت العدالة التاريخية، وصون الذاكرة الجماعية، ومناهضة سياسات الإنكار.
برنامج سنوي للذاكرة يبدأ من هذا العام

وبموجب القرار، ستشرع بلدية ليدا في تنفيذ برنامج سنوي لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية الأرمنية اعتبارًا من العام الجاري، في خطوة تهدف إلى تعزيز الوعي العام، وربط الماضي بالحاضر، وتسليط الضوء على مخاطر الجرائم الجماعية وسياسات التطهير العرقي.

وسيُفتتح البرنامج بمعرض صور فوتوغرافية بعنوان «وجوه التطهير العرقي» للمصور الصحفي أندرو فرنانديز، والذي يوثق عبر عدسته معاناة الضحايا، ويمنح الوجوه المنسية مساحة للظهور في الذاكرة البصرية والإنسانية للمجتمع.

شهادة الجالية الأرمنية: جريمة ضد الإنسانية

وخلال كلمتها أمام الجلسة العامة للبلدية، شددت ممثلة الجالية الأرمنية على أن أكثر من مليون ونصف المليون أرمني قُتلوا نتيجة الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في ظل الإمبراطورية العثمانية بين عامي 1915 و1923، مؤكدة أن ما جرى لا يُعد حدثًا تاريخيًا منتهيًا، بل جريمة إنسانية مستمرة الأثر.

وأوضحت أن الإبادة الجماعية الأرمنية معترف بها دوليًا كجريمة ضد الإنسانية، بما في ذلك من قبل الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي، إضافة إلى اعتراف خمسة برلمانات تتمتع بالحكم الذاتي في إسبانيا بها، وعلى رأسها برلمان كاتالونيا.

من البرلمان إلى البلديات: اعتراف متصاعد

وأضافت ممثلة الجالية الأرمنية أن أكثر من 48 بلدية إسبانية اعترفت رسميًا بالإبادة الجماعية الأرمنية، وكانت سانتا كولوما دي غرامينيت أولى هذه البلديات، في مؤشر واضح على اتساع رقعة الاعتراف، وتصاعد الوعي المحلي بخطورة إنكار الجرائم التاريخية.

واعتبرت أن انضمام بلدية ليدا إلى هذا المسار يُعد خطوة شجاعة تعزز القيم الديمقراطية، وتؤكد التزام المؤسسات المحلية بحقوق الإنسان والعدالة التاريخية.

ناغورنو كاراباخ: استمرار لجريمة لم تتوقف

وفي سياق متصل، أكدت ممثلة الجالية الأرمنية أن تورط تركيا المباشر في عملية التطهير العرقي التي نُفذت في إقليم ناغورنو كاراباخ يمثل امتدادًا واستمرارًا للإبادة الجماعية الأرمنية، مشددة على أن الصمت الدولي والتجاهل السياسي يشكلان أرضية خصبة لتكرار الجرائم ذاتها بأشكال مختلفة.

الاعتراف شرط للمصالحة والسلام

من جانبه، أكد رئيس جمعية “أرارات” الأرمنية أن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن ليس مسألة رمزية، بل هو شرط أساسي لكشف الحقيقة التاريخية كاملة، وخطوة لا غنى عنها لبناء الثقة والحوار والمصالحة بين الشعوب.

وأشار إلى أنه لا يمكن تحقيق سلام عادل ومستقر ودائم قائم على الاحترام المتبادل دون الاعتراف بالجرائم التاريخية، وحفظ الذاكرة المشتركة، ومواجهة سياسات الإنكار التي تعمّق الجراح وتُبقي النزاعات مفتوحة.

 

ليدا: الذاكرة كفعل أخلاقي وسياسي

بهذا القرار، تنضم مدينة ليدا إلى المدن التي اختارت أن تجعل من الذاكرة فعلًا أخلاقيًا وسياسيًا، لا يهدف إلى الانتقام، بل إلى منع تكرار المآسي، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، وتأكيد أن العدالة تبدأ بالاعتراف.

ويُعد هذا الإجماع البلدي رسالة واضحة مفادها أن المجتمعات المحلية قادرة على لعب دور محوري في الدفاع عن الحقيقة التاريخية، حتى في القضايا التي ما زالت موضع نزاع دولي.