سفير ميانمار بالقاهرة: اتفاقيتان تاريخيتان تعيدان الزخم للعلاقات مع مصر بعد ثلاثة عقود من الجمود
احمد دياب

أكد سفير جمهورية ميانمار لدى القاهرة، جو تين شين، أن العلاقات المصرية–الميانمارية تشهد مرحلة جديدة من الزخم والتطور، بعد تحقيق تقدم ملموس تمثل في توقيع اتفاقيتين ثنائيتين مهمتين خلال عام 2025، في خطوة وصفها بأنها «نقطة تحول حقيقية» في مسار العلاقات بين البلدين بعد أكثر من 31 عامًا من غياب الاتفاقيات الثنائية.
جاء ذلك خلال كلمته في الاحتفال الذي نظمته سفارة ميانمار بالقاهرة بمناسبة الذكرى الـ78 لاستقلال البلاد، بحضور عدد من كبار المسؤولين والدبلوماسيين وسفراء الدول العربية والأجنبية.
جذور تاريخية عميقة وصداقة تعود إلى ما قبل عدم الانحياز
وأشار السفير إلى أن العلاقات بين مصر وميانمار تعود إلى عام 1953، حيث كان البلدان من بين الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، مؤكدًا أن القاهرة ونايبيداو واصلتا، منذ ذلك الحين وحتى اليوم، تبني سياسات خارجية غير منحازة ومحايدة تتسق مع القيم والمبادئ التي قامت عليها الحركة.
وأوضح أن هذا التقارب السياسي انعكس مبكرًا على العلاقات الدبلوماسية، إذ كانت ميانمار من أوائل الدول التي افتتحت سفارة لها في مصر عام 1955، لتصبح ثاني دولة في جنوب شرق آسيا تتخذ هذه الخطوة، فيما أنشأت مصر سفارتها في ميانمار عام 1956، ولا تزال حتى الآن الدولة الإفريقية الأولى والوحيدة التي تحتفظ بتمثيل دبلوماسي دائم هناك.
زيارات تاريخية صنعت ملامح الشراكة
وسلط السفير الضوء على الزخم الكبير الذي شهدته العلاقات خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى الزيارة التاريخية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى ميانمار في أبريل 1955، قبيل مشاركته في مؤتمر باندونغ الذي أطلق حركة عدم الانحياز، حيث شارك آنذاك في احتفالات رأس السنة الميانمارية إلى جانب رئيس الوزراء الراحل أو نو وين.
كما أشار إلى الزيارات الرسمية التي قام بها رئيس وزراء ميانمار الراحل أو ني وين إلى مصر عامي 1959 و1961، والتي جاءت في إطار علاقة صداقة شخصية قوية جمعته بالرئيس جمال عبد الناصر، مؤكدًا أن هذه التبادلات أسست لعلاقات صداقة وتعاون مستدامة لا تزال قائمة حتى اليوم.
سنوات من التباطؤ ومحاولة جادة لإعادة الإحياء
وأوضح السفير أن العلاقات الثنائية شهدت خلال السنوات الأخيرة حالة من التباطؤ، حيث تراجعت وتيرة الزيارات رفيعة المستوى، إلا أنه أكد أنه منذ توليه مهام منصبه في القاهرة، وضع نصب عينيه هدفًا واضحًا يتمثل في إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين، انطلاقًا من المصالح المشتركة وحسن النوايا المتبادل.
اتفاقيتان بعد 31 عامًا… بداية مرحلة جديدة
وكشف السفير أن عام 2025 شهد اختراقًا مهمًا في مسار العلاقات الثنائية، من خلال توقيع اتفاقيتين بالغتي الأهمية، الأولى اتفاقية تعاون مؤسسي وأكاديمي بين المجلس المصري للشؤون الخارجية ومعهد ميانمار للدراسات الاستراتيجية والدولية، والثانية اتفاقية تعاون زراعي بين وزارة الزراعة في ميانمار ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر.
وأوضح أن هاتين الاتفاقيتين تمثلان أول وثاني اتفاقيتين ثنائيتين يتم توقيعهما بين البلدين منذ عام 1994، وهو ما يعكس جدية الطرفين في فتح صفحة جديدة من التعاون.
تبادلات فكرية وزراعية على الطريق
وأشار السفير إلى أن هذه الاتفاقيات تمهد الطريق أمام تبادلات رسمية منتظمة خلال الفترة المقبلة، حيث من المقرر أن يزور وفد من مركز الفكر المصري ميانمار لعقد اجتماعات وندوات مشتركة، بالتوازي مع إرسال متدربين زراعيين من ميانمار إلى مصر، واستقبال خبراء مصريين في ميانمار للتعاون في مجالات حيوية داخل القطاع الزراعي.
وأكد أن هذه الخطوات، رغم تواضعها في بدايتها، تحمل إمكانات كبيرة لتعزيز العلاقات الثنائية والارتقاء بها نحو شراكة استراتيجية شاملة خلال السنوات المقبلة.

تعاون اقتصادي وتجاري ورهان على القطاع الخاص
وفي إطار تعزيز التعاون الاقتصادي، كشف السفير عن زيارة وفد من رجال الأعمال الميانماريين إلى مصر، برئاسة رئيس مجلس إدارة أكبر شركة طيران في ميانمار، لبحث فرص الشراكة مع شركة مصر للطيران، بهدف تسهيل حركة السفر للأعمال والسياحة بين البلدين.
كما استكشف الوفد فرصًا استثمارية وتجارية واعدة في السوق المصرية، فيما يُنتظر أن يقوم رجال أعمال مصريون ومسؤولون من وزارة الاستثمار بزيارة ميانمار قريبًا لعقد مباحثات مباشرة مع القطاع الخاص هناك، إلى جانب العمل على إنشاء مجلس أعمال مصري–ميانماري في المستقبل القريب.
مذكرات تفاهم جديدة واتفاقيات قيد الإعداد
وأوضح السفير أن العمل جارٍ حاليًا على توقيع عدد من مذكرات التفاهم الجديدة، من بينها اتفاقية لتسهيل السفر الرسمي بين البلدين، إلى جانب اتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني بين الحكومتين، بهدف دعم مشاركة القطاع الخاص وتعزيز فرص الاستثمار المشترك.
وأعرب عن ثقته في أن هذه المبادرات ستكلل بالنجاح خلال الفترة القريبة المقبلة.
استقلال ميانمار والتحولات السياسية المرتقبة
وفي سياق آخر، استعرض السفير دلالات الاحتفال بذكرى استقلال بلاده، مشيرًا إلى أن الرابع من يناير 1948 يمثل محطة فارقة في تاريخ ميانمار، حيث نالت استقلالها عن الحكم الاستعماري البريطاني بعد نضال طويل وشاق، قدم خلاله الشعب الميانماري تضحيات جسيمة من أجل الحرية.
كما تطرق إلى آخر التطورات السياسية في بلاده، موضحًا أنه تم مؤخرًا إجراء انتخابات على ثلاث مراحل، نُفذت بنجاح بحضور مراقبين دوليين وممثلي وسائل الإعلام، ومن المنتظر أن يتم تشكيل حكومة منتخبة ديمقراطيًا بحلول نهاية مارس، وهو ما يُتوقع أن يفتح آفاقًا جديدة للإصلاحات السياسية والاقتصادية.

حضور دبلوماسي رفيع ورسائل ود متبادلة
شهد الاحتفال حضور السفير عمرو حمزة، مساعد وزير الخارجية للشؤون الآسيوية، والسفير علي درويش، رئيس الوفد الدائم لمفوضية الاتحاد الإفريقي لدى جامعة الدول العربية، إلى جانب عدد كبير من السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية من دول عربية وأجنبية.
وفي ختام كلمته، أعرب سفير ميانمار عن خالص تهانيه وتمنياته لحكومة وشعب مصر بمزيد من التقدم والازدهار، مؤكدًا أن روابط الصداقة والتعاون بين البلدين مرشحة لمزيد من النمو والازدهار خلال السنوات المقبلة.






