زيارة تاريخية لنائب الرئيس الأميركي إلى أرمينيا تفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية
فانس من تسيتسرناكابيرد إلى اتفاقيات استراتيجية
احمد دياب
في زيارة وُصفت بالتاريخية، وصل نائب الرئيس الأميركي J.D. Vance إلى أرمينيا في زيارة رسمية تُعدّ أرفع زيارة لمسؤول أميركي إلى يريفان حتى اليوم، وتمثّل أول لقاء رفيع المستوى من هذا النوع بين الولايات المتحدة وأرمينيا، في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا وسياسيًا.
وقفة ذاكرة في قلب الجرح الأرمني
استهل فانس زيارته، برفقة زوجته أوشا فانس، بزيارة مجمّع تسيتسرناكابيرد التذكاري للإبادة الجماعية الأرمنية، في مشهد حمل دلالات رمزية وإنسانية عميقة.
وكان في استقبالهما إيديتا غزويان، مديرة متحف-معهد الإبادة الجماعية الأرمنية، ووزيرة التعليم والعلوم والثقافة والرياضة الأرمنية جانا أندرياسيان، إلى جانب القائم بالأعمال المؤقت للسفارة الأميركية في أرمينيا ديفيد ألين.
رافقت غزويان نائب الرئيس الأميركي وزوجته في جولة داخل المجمّع، قدّمت خلالها شرحًا مفصلًا عن تاريخ تشييد النصب ودلالاته، قبل أن يضع فانس إكليلًا من الزهور على النصب التذكاري، ثم يضع الضيوف الزهور عند الشعلة الأبدية، ويقف الجميع دقيقة صمت حدادًا على أرواح ضحايا الإبادة.

«جدار الذاكرة»… شهادات عالمية على الجريمة
وخلال الجولة، شرحت غزويان مفهوم «جدار الذاكرة»، حيث تُحفظ في تجاويف خاصة جرار صغيرة تحتوي على تراب مأخوذ من قبور شخصيات سياسية واجتماعية وفكرية أجنبية، ومبشّرين ودبلوماسيين رفعوا أصواتهم احتجاجًا على المجازر الجماعية التي ارتكبتها الحكومة العثمانية بحق الأرمن في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وتوقفت عند شخصيات أميركية بارزة، من بينها هنري مورغنثاو وكلارا بارتون، مؤكدة أن جهودهما أسهمت في إطلاع المجتمع الأميركي على ما جرى من مجازر، وأن اعتراف الولايات المتحدة بالإبادة الجماعية الأرمنية شكّل أيضًا تكريمًا لذكراهما ودورهما الإنساني.

من الإبادة إلى سومغايت وباكو… جرح متصل
كما تطرقت غزويان إلى الخاتشكارات الثلاث الموضوعة في محيط تسيتسرناكابيرد، تخليدًا لذكرى الأرمن الذين قُتلوا في مجازر سومغايت وكيروفاباد (كنجه) وباكو التي وقعت أواخر القرن الماضي، مؤكدة الترابط التاريخي والإنساني بين تلك الأحداث والإبادة الجماعية الأرمنية، بوصفها حلقات متصلة من العنف الممنهج ضد الشعب الأرمني.
رسالة في سجل الشرف
وفي ختام الزيارة، دوّن نائب الرئيس الأميركي كلمة في سجل ضيوف الشرف جاء فيها:
«إحياءً لذكرى الأرواح التي فُقدت، نُكرّم صمود الشعب الأرمني وروحه التي لا تنكسر. لتسعَ أميركا وأرمينيا معًا إلى مستقبل يسوده السلام والتفاهم».
وقدّمت غزويان لفانس مجموعة من الكتب التي تتناول الإبادة الجماعية الأرمنية وقضية آرتساخ (قره باغ).

أرفع زيارة أمريكية إلى تسيتسرناكابيرد
ويُعد فانس أعلى مسؤول أميركي يزور المجمّع حتى الآن، مع الإشارة إلى زيارات سابقة لمسؤولين أميركيين بارزين، من بينهم وزيرة الخارجية السابقة Hillary Clinton عام 2010، ورئيسة مجلس النواب Nancy Pelosi عام 2022، ورئيسة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية Samantha Power عام 2023، إضافة إلى عشرات أعضاء الكونغرس والدبلوماسيين.
وكان الكونغرس الأميركي قد اعتمد قرارات الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية عام 2019، فيما جاء الاعتراف التنفيذي في 24 نيسان/أبريل 2021 ببيان رسمي من الرئيس Joe Biden، كما اعترفت جميع الولايات الأميركية الخمسين رسميًا بالإبادة.
شراكة استراتيجية واتفاقيات جديدة
نووي مدني وطائرات مسيّرة وبوادر «ازدهار مشترك»
وعقب اجتماع رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان ونائب الرئيس الأميركي، أُقيم حفل توقيع وثيقة رسمية بين البلدين، جرى خلالها توقيع «البيان المشترك بشأن إتمام المفاوضات المتعلقة باتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية».
وأكد فانس أن الدور الأميركي لا يقتصر على السعي إلى صنع السلام بين أرمينيا وأذربيجان، بل يتجاوز ذلك إلى بناء «ازدهار مشترك» يعود بالنفع على يريفان وواشنطن معًا.
وأعلن عن صفقة لبيع تكنولوجيا طائرات مسيّرة أميركية لأرمينيا بقيمة 11 مليون دولار، إلى جانب اتفاق التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، الذي وصفه باشينيان بأنه
«يفتح فصلاً جديدًا في الشراكة الاستراتيجية بين البلدين».
حقوق الإنسان في قلب المشهد
مناشدات للإفراج عن معتقلين أرمن في باكو
وعلى هامش الزيارة، وجّهت 20 منظمة أرمينية لحقوق الإنسان نداءً مفتوحًا إلى فانس، دعته فيه إلى الضغط من أجل الإفراج عن مواطنين أرمن محتجزين في سجون باكو.
كما نظم لاجئون من قره باغ تجمعًا قرب مقر الاجتماع، رافعين المطلب ذاته، في مشهد يعكس استمرار الجرح الإنساني للنزاع.
ويأتي ذلك بعد أيام من صدور أحكام بالسجن مدى الحياة عن محكمة عسكرية في باكو بحق قادة انفصاليين أرمن من قره باغ، بعد إدانتهم بشن ما وصفته أذربيجان بـ«حرب عدوانية».






