برنامج حكومي شامل لدعم المتضررين من الاضطرابات الجوية بالمغرب بتوجيهات ملكية سامية

3 مليارات درهم لإعادة الأمل
احمد دياب
في استجابة سريعة وحاسمة لتداعيات الاضطرابات الجوية الاستثنائية التي شهدتها المملكة خلال الشهرين الماضيين، أطلقت الحكومة المغربية برنامجًا وطنيًا واسع النطاق لدعم الأسر والساكنة المتضررة، بميزانية توقعية تبلغ 3 مليارات درهم، وذلك بتعليمات ملكية سامية تؤكد أولوية حماية المواطنين وصون استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.
البرنامج، الذي يُعد من أكبر خطط التدخل الطارئة في مواجهة الكوارث الطبيعية خلال السنوات الأخيرة، يأتي عقب موجة فيضانات قوية اجتاحت مناطق شاسعة، خاصة بسهل الغرب واللوكوس، مخلفة أضرارًا جسيمة على مستوى البنيات التحتية والمساكن والأنشطة الفلاحية، ومتسببة في تأثيرات مباشرة على أوضاع آلاف الأسر.
إعلان حالة كارثة وتصنيف مناطق منكوبة
ووفق بلاغ لرئاسة الحكومة، أصدر رئيس الحكومة قرارًا يقضي بإعلان هذه الاضطرابات الجوية حالة كارثة، مع تصنيف جماعات الأقاليم الأربعة الأكثر تضررًا — العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم، وسيدي سليمان — كمناطق منكوبة، بما يتيح تفعيل آليات استثنائية للتدخل العاجل وتعبئة الموارد المالية والإدارية اللازمة لمواكبة المتضررين.
هذا القرار يعكس حجم التحديات التي خلفتها الفيضانات، كما يؤكد انخراط الدولة بمختلف مؤسساتها في تدبير الأزمة بروح من المسؤولية والجاهزية العالية.
أربعة محاور استراتيجية لإعادة الإعمار والتعافي
البرنامج الحكومي استند إلى تقييم ميداني دقيق وشامل للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية، وجاء مرتكزًا على أربعة محاور رئيسية تهدف إلى ضمان التعافي السريع وتعزيز صمود المناطق المتضررة مستقبلًا:
1. دعم إعادة الإسكان وتعويض المتضررين – 775 مليون درهم
يشمل هذا المحور إعادة تأهيل المساكن المتضررة، وإعادة بناء المنازل المنهارة، إلى جانب إصلاح المحلات التجارية الصغيرة وتعويض فقدان الدخل للأسر المتضررة، بما يضمن استعادة الاستقرار المعيشي في أقرب الآجال.
2. تدخلات استعجالية ومساعدات عينية – 225 مليون درهم
يركز هذا الجانب على تلبية الحاجيات الأساسية والفورية للساكنة، عبر تقديم مساعدات عينية وتعزيز التدخلات الميدانية العاجلة، لتخفيف آثار الكارثة وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
3. دعم القطاع الفلاحي – 300 مليون درهم
نظرًا لكون المناطق المتضررة ذات طابع فلاحي بالأساس، خُصص هذا الغلاف المالي لمساندة المزارعين ومربي الماشية، بهدف استعادة النشاط الإنتاجي وضمان استقرار العالم القروي، والحد من الانعكاسات الاقتصادية على سلاسل الإنتاج المحلية.
4. إعادة تأهيل البنيات التحتية – 1.7 مليار درهم
يشكل هذا المحور أكبر مكونات البرنامج، حيث سيتم توجيه استثمارات تقارب 1.7 مليار درهم لإصلاح الطرق والمنشآت الهيدروفلاحية والشبكات الحيوية، بما يضمن عودة الخدمات الأساسية وتعزيز قدرة هذه المناطق على مواجهة مخاطر مناخية مماثلة مستقبلًا.
أرقام تعكس حجم التحدي
الاضطرابات الجوية الاستثنائية تسببت في فيضانات غمرت أكثر من 110 آلاف هكتار من الأراضي، وأدت إلى إجلاء نحو 188 ألف شخص بالأقاليم الأربعة المعنية، في واحدة من أقسى موجات التقلبات المناخية التي عرفتها المملكة في السنوات الأخيرة.
هذه المعطيات تبرز حجم الأضرار والخسائر، كما تفسر حجم التعبئة المالية والمؤسساتية التي رافقت إطلاق البرنامج الحكومي.
توجيهات ملكية لتنفيذ سريع وفعّال
وفي السياق ذاته، شدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على ضرورة تنفيذ هذا البرنامج بكفاءة وسرعة وروح عالية من المسؤولية، بما يضمن تسريع وتيرة التعافي وتمكين ساكنة المناطق المنكوبة من العودة إلى حياتهم الطبيعية في أقرب وقت ممكن.
التوجيهات الملكية أكدت كذلك أهمية اعتماد مقاربة استباقية تعزز صمود المجالات الترابية أمام التغيرات المناخية المتزايدة، عبر الاستثمار في بنية تحتية أكثر مرونة، وتطوير آليات التدبير الاستعجالي للكوارث.
مقاربة تضامنية تعزز الثقة في زمن الأزمات
يمثل هذا البرنامج تجسيدًا عمليًا لالتزام الدولة بمواكبة المواطنين في أوقات الشدة، وترسيخ مقاربة تضامنية تقوم على الاستجابة السريعة، وإعادة الإعمار، وضمان الكرامة الاجتماعية.
وبينما تتواصل جهود التدخل الميداني وإعادة البناء، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لتعزيز مناعة المناطق المتضررة، وترسيخ نموذج تنموي أكثر قدرة على التكيف مع التحولات المناخية المتسارعة.
3 مليارات درهم ليست مجرد رقم في ميزانية طارئة، بل رسالة واضحة مفادها أن المواطن يظل في صلب أولويات الدولة، وأن إعادة الأمل تبدأ بخطوات عملية على الأرض.






