يريفان تحتضن قمة أرمينيا–الولايات المتحدة للتكنولوجيا والابتكار
تعزيز التعاون من الحوار الاستراتيجي إلى التنفيذ العملي
احمد دياب

في خطوة تعكس التحول النوعي في العلاقات بين أرمينيا والولايات المتحدة، استضافت العاصمة الأرمينية يريفان، في 10 فبراير 2026، قمة “أرمينيا–الولايات المتحدة للتكنولوجيا والابتكار”، وذلك في إطار زيارة نائب الرئيس الأمريكي J. D. Vance.
وشهدت القمة حضور مسؤولين حكوميين أرمينيين، وأعضاء من الوفد الأمريكي، إلى جانب ممثلين عن كبرى شركات التكنولوجيا في البلدين، في رسالة واضحة بأن الشراكة بين الجانبين انتقلت من مرحلة الحوار السياسي والاستراتيجي إلى مرحلة المشاريع التنفيذية ذات الأثر المباشر.
من الشراكة الاستراتيجية إلى العمل الميداني
أكد المشاركون أن التقدم في مجالات التكنولوجيا والابتكار لم يعد خيارًا داخليًا بحتًا، بل يرتبط بشبكات تعاون دولية واسعة. وأشار وزير الصناعة التكنولوجية الأرميني إلى أن الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين في يناير 2025 تمثل قاعدة صلبة لتوسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية.
من جانبه، شدد نائب وزير الخارجية الأرميني على أن المرحلة الحالية تشهد بالفعل تنفيذ مشاريع مشتركة، مع توقع الإعلان عن مبادرات إضافية خلال الفترة المقبلة، بما يعكس جدية التوجه نحو بناء منظومة تعاون مستدامة.
مشاريع تقنية واستثمارات واعدة

1. تعاون في الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة
أعلنت شركة Shield AI عن تعاون مع أرمينيا لتطوير شراكات في مجال تصنيع مكونات الطائرات المسيّرة، بما في ذلك أنظمة مثل V-BAT، إلى جانب تطوير أنظمة تشغيل ذكية تدعم القدرات الدفاعية والأمنية الأرمينية.
ويُنظر إلى هذا التعاون باعتباره أحد أبرز المؤشرات على توسع الشراكة إلى مجالات التكنولوجيا الدفاعية عالية الحساسية، ما يعكس مستوى الثقة المتبادل بين الجانبين.
2. أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي
استعرضت Synopsys – عبر فرعها في أرمينيا – دورها في تصميم أشباه الموصلات وتطوير حلول الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى شراكتها الاستراتيجية مع NVIDIA، وتنفيذ حلول تعتمد على وحدات معالجة الرسوميات الخاصة بها.
ويمثل هذا التعاون ركيزة أساسية في طموح أرمينيا للتحول إلى مركز إقليمي في مجال تصميم الرقائق الإلكترونية وتطوير حلول الحوسبة المتقدمة.
مبادرات رقمية ذات بعد اجتماعي
لم تقتصر القمة على المشاريع الصناعية والتقنية الكبرى، بل شملت مبادرات ذات تأثير اجتماعي مباشر:
1. إطلاق برنامج شركاء يوتيوب
أُعلن عن إطلاق برنامج YouTube Partner Program في أرمينيا خلال الربيع المقبل، ما يتيح لصنّاع المحتوى الأرمن تحقيق دخل من إنتاجهم الرقمي والوصول إلى جمهور عالمي أوسع.
ويُتوقع أن يسهم هذا البرنامج في دعم الاقتصاد الإبداعي المحلي، وخلق فرص جديدة للشباب في مجالات الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى.
2. الإنترنت فائق السرعة للمدارس
كما أعلنت خدمة Starlink التابعة لشركة SpaceX عن تعاون لتوفير الإنترنت عالي السرعة لـ100 مدرسة في مختلف أنحاء أرمينيا، بما يعزز فرص التعليم الرقمي، ويقلّص الفجوة التكنولوجية بين المناطق الحضرية والريفية.
رؤية مستقبلية: أرمينيا كمركز لبيانات الذكاء الاصطناعي
قدم وزير الصناعات التكنولوجية المتقدمة رؤية طموحة لتحويل أرمينيا إلى “حاضنة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي”، من خلال العمل مع شركات عالمية كبرى مثل Dell Technologies وNVIDIA، لبناء بنية تحتية قادرة على استيعاب مشاريع الحوسبة الضخمة.
وتسعى أرمينيا إلى إنشاء نظام بيئي تكنولوجي متكامل يجمع بين الحكومة، والشركات المحلية، والمستثمرين الدوليين، بحيث لا يقتصر التعاون على الاتفاقيات الرسمية، بل يمتد إلى استثمارات طويلة الأمد وشراكات إنتاجية فعلية.
التكنولوجيا محرك للنمو الاقتصادي
أكد ممثلون أمريكيون خلال القمة أن التكنولوجيا والابتكار يمثلان ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، مشيدين بما وصفوه بـ”رأس المال البشري القوي” الذي تمتلكه أرمينيا، خاصة في مجالات الهندسة والبرمجيات.
وأشاروا إلى أن أرمينيا تملك إمكانات استثمارية كبيرة لم تُستغل بالكامل بعد، وأن تعزيز بيئة الأعمال والبنية الرقمية سيجعلها أكثر جذبًا للشركات العالمية.

نحو شراكة عملية ومستدامة
تعكس القمة توجهًا واضحًا نحو دفع التعاون العملي بين أرمينيا والولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا، والابتكار، والدفاع، والاتصالات، بعيدًا عن الاكتفاء بالحوار السياسي والاستراتيجي.
ومع تنامي أهمية التكنولوجيا كأداة نفوذ اقتصادي وجيوسياسي، تمثل هذه القمة خطوة استراتيجية لتعزيز حضور أرمينيا في الاقتصاد الرقمي العالمي، بدعم مباشر من شراكات أمريكية رائدة.
وبينما تتجه أنظار المنطقة إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة، تبدو يريفان عازمة على ترسيخ موقعها كمركز ناشئ للابتكار، مستفيدة من التعاون الوثيق مع واشنطن، ومن إرادة سياسية تسعى لترجمة الرؤى إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.

