تقارير

في قلب الحضارة… الصين تحتفل بعيد الربيع من المتحف المصري الكبير

أمسية ثقافية ترسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات المصرية-الصينية

 

احمد دياب 

 

 


في مشهد حمل رمزية حضارية لافتة، احتضنت إحدى القاعات الكبرى بـالمتحف المصري الكبير احتفالية “مقدمة سهرة عيد الربيع الصيني”، التي نظمتها السفارة الصينية في مصر بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة، وسط حضور دبلوماسي وثقافي وإعلامي واسع، وبمشاركة أعضاء جمعية الصداقة المصرية الصينية ونخبة من الشخصيات العامة.
الاحتفال لم يكن مجرد مناسبة ثقافية عابرة، بل جاء محمّلاً برسائل سياسية وحضارية تعكس مستوى الشراكة بين القاهرة وبكين، وتؤكد أن العلاقة بين البلدين تجاوزت حدود التعاون التقليدي إلى فضاء أوسع من التنسيق الاستراتيجي والتقارب الشعبي.

كلمات تؤكد: عشر سنوات من الشراكة الشاملة… وسبعون عاماً من الدبلوماسية

تحدث في الفعالية كل من السفير الصيني بالقاهرة لياو ليتشيانج، والسفير عمرو حمزة مساعد وزير الخارجية للشؤون الآسيوية، والدكتور عصام شرف رئيس مجلس الوزراء الأسبق، والدكتور زاهي حواس وزير الآثار الأسبق، إلى جانب أكاديميين صينيين تناولوا أبعادًا ثقافية وتاريخية مشتركة بين الحضارتين.

ركزت الكلمات على الطفرة غير المسبوقة التي شهدتها العلاقات الثنائية خلال العقد الأخير، منذ إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، والتي انعكست في مشروعات تنموية واستثمارية كبرى، وتنسيق سياسي متقدم في المحافل الدولية.

كما سلط المتحدثون الضوء على احتفال القاهرة وبكين بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، في مناسبة تؤكد رسوخ الروابط واستمرارها رغم المتغيرات الدولية المتسارعة.

عيد الربيع… من مناسبة وطنية إلى احتفال عالمي

في كلمته، شدد السفير الصيني على أن إدراج عيد الربيع ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو عام 2024 منح المناسبة بعدًا عالميًا جديدًا، حيث باتت الاحتفالات تمتد إلى قارات مختلفة، ويشارك فيها الملايين حول العالم.
وأشار إلى أن إقامة الفعالية في مصر تعكس عمق الروابط بين الشعبين، لافتًا إلى أن نقل “مقدمة سهرة عيد الربيع” إلى القاهرة يفتح نافذة أمام الجمهور المصري والعربي للتعرف على الثقافة الصينية المعاصرة، ويعزز جسور التواصل بين الشعوب.
ومن المقرر بث سهرة عيد الربيع هذا العام عبر مجموعة الصين للإعلام، مع إذاعتها في مصر عبر قناة صدى البلد، في خطوة تعكس حضور الثقافة الصينية في الفضاء الإعلامي العربي.

 


عام الحصان… رمز الانطلاق في حضارتين

تناولت الفعالية البعد الرمزي للعام الصيني الجديد، الذي يوافق “عام الحصان”، حيث استعرض أكاديميون صينيون دلالات الحصان في التراثين المصري والصيني القديم.

ففي الثقافة الصينية يرمز الحصان إلى روح المبادرة والطموح والانطلاق، بينما يحتل مكانة بارزة في الحضارة المصرية القديمة باعتباره رمزًا للقوة والنصر والحركة.

هذا التلاقي الرمزي بين الحضارتين منح الاحتفال بعدًا ثقافيًا عميقًا، خاصة أنه تزامن مع أجواء الاستعداد لشهر رمضان المبارك، بما يحمله من معاني التراحم والتكافل ووحدة الأسرة.

تحديث وتنمية… مسارات متوازية بين بكين والقاهرة

استعرض السفير الصيني ملامح المرحلة التنموية في بلاده، مؤكدًا أن الصين أنهت بنجاح خطتها الخمسية الرابعة عشرة، وتتجه نحو نموذج نمو أكثر اعتمادًا على الابتكار والجودة، رغم التحديات الدولية.

وفي المقابل، أشار إلى أن مصر تمضي بثبات في مسار “الجمهورية الجديدة”، حيث تتواصل المشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها المبادرات الاجتماعية والتنموية التي تستهدف تحسين مستوى معيشة المواطنين، إلى جانب الإنجاز الحضاري المتمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد تقديم الحضارة المصرية للعالم برؤية عصرية.

وأكد أن التوجيهات الاستراتيجية الصادرة عن قيادتي البلدين أسهمت في دفع العلاقات إلى مستويات متقدمة من التنسيق والدعم المتبادل في القضايا ذات الاهتمام المشترك، سواء على الصعيد الثنائي أو في الأطر متعددة الأطراف.

تعاون يتجاوز الثنائي إلى الإطار العربي والإفريقي

لم تقتصر الرسائل على الإطار المصري-الصيني فحسب، بل امتدت إلى البعد العربي والإفريقي، حيث أشار السفير إلى أن العلاقات الصينية العربية تشهد أفضل مراحلها تاريخيًا، في ظل تنسيق متزايد ودعم متبادل للمبادرات الدولية.
ويأتي الاحتفال هذا العام متزامنًا مع ذكرى سبعين عامًا على انطلاق العلاقات الصينية المصرية، والصينية العربية، والصينية الإفريقية، بما يعكس رؤية بكين لتوسيع نطاق الشراكات في المنطقة على أسس من التنمية المشتركة والاحترام المتبادل.

احتفال ثقافي… ورسالة سياسية هادئة

المشهد في المتحف المصري الكبير لم يكن مجرد احتفال فني أو عرض تراثي، بل بدا أقرب إلى رسالة سياسية ناعمة تؤكد أن الثقافة باتت أحد أهم أدوات الدبلوماسية المعاصرة.

فبين أروقة الحضارة المصرية القديمة، احتفت الصين بعيدها القومي الأهم، لتجتمع حضارتان عريقتان في لحظة رمزية تؤكد أن التاريخ يمكن أن يكون جسراً للمستقبل، وأن العلاقات الدولية لم تعد تُبنى فقط على المصالح الاقتصادية، بل أيضًا على التقارب الثقافي والإنساني.

ومع دخول “عام الحصان”، تبدو العلاقات المصرية-الصينية مقبلة على مرحلة جديدة من الانطلاق، بروح المبادرة والطموح، نحو شراكة أعمق ومجالات تعاون أوسع، في عالم يتشكل من جديد.