اسواق

التأمين بين نيران الحرب وتقلبات الأسواق.. تحديات غير مسبوقة تهدد الاستقرار

أثر الحرب الأمريكية – الإيرانية على صناعة التأمين (الجزء الثالث)

 

 احمد دياب 

في مشهد إقليمي مضطرب تتشابك فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، فرضت المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران واقعًا جديدًا على صناعة التأمين العالمية، التي وجدت نفسها فجأة في قلب أزمة متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود الأخطار التقليدية لتدخل نطاقًا أكثر تعقيدًا يرتبط بالجغرافيا السياسية وتقلبات الأسواق وسرعة تطور الأحداث. فمنذ منتصف مارس، لم تعد تداعيات الأزمة مجرد انعكاس لاحتكاك سياسي، بل تحولت إلى موجة صدمات اقتصادية متتالية، ضربت أسواق الطاقة، وأربكت حركة التجارة الدولية، ورفعت مستويات عدم اليقين إلى حدود غير مسبوقة.

وتعكس الأرقام حجم الاضطراب الذي أصاب الاقتصاد العالمي، حيث تعطلت آلاف السفن التجارية في محيط مضيق هرمز، أحد أهم شرايين نقل النفط والغاز، بينما تأثر عشرات الآلاف من البحارة بشكل مباشر، في ظل تصاعد الهجمات على السفن المدنية وتزايد حوادث الملاحة. وعلى صعيد الطاقة، أدى انخفاض إنتاج النفط في الشرق الأوسط إلى ضغط تصاعدي على الأسعار، الأمر الذي انعكس سريعًا على تكلفة التشغيل في قطاعات حيوية، وعلى رأسها الطيران والنقل. ولم يكن قطاع الطيران بمنأى عن هذه التداعيات، حيث شهدت المنطقة موجة واسعة من إلغاء الرحلات الجوية، مع إغلاق مجالات جوية وتحويل مسارات الطائرات، ما أدى إلى زيادة استهلاك الوقود وارتفاع التكاليف التشغيلية بصورة حادة.

في هذا السياق، يبرز تأمين الطيران كأحد أكثر القطاعات تعرضًا للضغوط، إذ تواجه شركات التأمين تحديات معقدة تتعلق بارتفاع حجم المطالبات المحتملة، سواء الناتجة عن تأخير الرحلات أو إلغائها، أو تلك المرتبطة بالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطيران. كما أن استهداف بعض المطارات والمنشآت الحيوية، إلى جانب تكدس الطائرات في مناطق قريبة من النزاع، يزيد من مخاطر التراكم، وهو ما يدفع شركات التأمين إلى إعادة تقييم سياسات الاكتتاب وإعادة تسعير الأخطار بشكل أكثر تحفظًا. ولم يعد التساؤل يدور فقط حول حجم الخسائر، بل امتد ليشمل طبيعة التغطيات وحدودها، خاصة في ظل التداخل بين أخطار الحرب والأخطار الأخرى التي قد لا تكون مشمولة في الوثائق التقليدية.

أما التأمين البحري، فقد كان الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، نظرًا لارتباطه المباشر بحركة التجارة العالمية. فالممرات المائية في الخليج العربي تحولت إلى مناطق عالية الأخطار، ما دفع شركات التأمين إلى رفع أقساط التأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، في بعض الحالات إلى أضعاف المعدلات الطبيعية، مع تشديد شروط التغطية وإعادة تعريف المناطق المحظورة. ولم تعد التحديات تقتصر على ارتفاع الأخطار، بل امتدت إلى تعقيد عملية تسوية المطالبات، خاصة في ظل صعوبة تحديد السبب المباشر للحوادث، نتيجة التداخل بين الهجمات العسكرية والتشويش الإلكتروني على أنظمة الملاحة مثل GPS وAIS، وهو ما يطرح إشكاليات قانونية وفنية حول تصنيف الخسائر بين أخطار الحرب أو الأخطار السيبرانية أو الأخطار التشغيلية التقليدية.
وفي بعد إنساني لا يقل أهمية، أفرزت الأزمة واقعًا صعبًا للبحارة وأطقم السفن، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أخطار النزاع، سواء من خلال التعرض للهجمات أو البقاء لفترات طويلة في مناطق خطرة. وقد فرض ذلك التزامات إضافية على شركات التأمين ومالكي السفن، خاصة فيما يتعلق بتوفير الرعاية الصحية والنفسية، وتأمين عودة الأطقم إلى أوطانهم، وضمان حقوقهم المالية. كما أن رفض بعض البحارة العمل في مناطق النزاع قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية، تضع شركات التأمين أمام تحديات جديدة تتعلق بتغطية المسؤولية وتعويض الأضرار.

وفي موازاة ذلك، بدأ التأمين الطبي يشهد تحولًا تدريجيًا في طبيعة التغطيات، مع تزايد الاعتراف بأهمية الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من منظومة التأمين. فالحروب لا تخلّف فقط أضرارًا مادية، بل تترك آثارًا نفسية عميقة على الأفراد، خاصة العاملين في القطاعات الأكثر تعرضًا للمخاطر. ومن هنا، بدأت شركات التأمين في توسيع نطاق خدماتها لتشمل الدعم النفسي وبرامج إعادة التأهيل، في محاولة للحد من الخسائر غير المباشرة المرتبطة بانخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات الغياب.

أما على مستوى إعادة التأمين، فقد دخلت الأسواق مرحلة من الحذر الشديد، في ظل مخاوف من وقوع خسائر كبيرة نتيجة حوادث مفاجئة واسعة النطاق، مثل استهداف ناقلات النفط أو الغاز في مناطق مكتظة بالسفن. ويزيد من حدة هذه المخاوف ظاهرة “تراكم الأخطار”، حيث تتجمع أصول ذات قيمة عالية في نطاق جغرافي محدود، ما يرفع احتمالات وقوع خسائر جماعية. وفي هذا الإطار، لم تعد القضية مجرد تسعير للأخطار، بل باتت تتعلق بإمكانية توفير التغطية من الأساس، خاصة مع انسحاب بعض شركات إعادة التأمين أو تقليص انكشافها في المناطق عالية المخاطر.

وتشير تحليلات المؤسسات العالمية إلى أن التأثيرات الحالية، رغم حدتها، لا تزال ضمن نطاق يمكن إدارته إذا ظل الصراع محدودًا زمنيًا وجغرافيًا. إلا أن السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا، مثل إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز أو اتساع نطاق الحرب، قد تؤدي إلى تداعيات أعمق، تشمل اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد، وارتفاعًا كبيرًا في أسعار الطاقة، وتشديدًا في ظروف التمويل العالمية، وهو ما سينعكس بدوره على تصنيفات شركات التأمين وأدائها المالي.

وفي ضوء هذه التطورات، تبدو صناعة التأمين أمام مرحلة مفصلية، تتطلب إعادة صياغة استراتيجياتها بما يتلاءم مع طبيعة الأخطار الجديدة. فلم يعد كافيًا الاعتماد على النماذج التقليدية في تقييم المخاطر، بل أصبح من الضروري تبني مقاربات أكثر مرونة، تأخذ في الاعتبار التداخل بين الأخطار الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية. كما أن تعزيز الشفافية في وثائق التأمين، وتوضيح نطاق التغطيات والاستثناءات، بات أمرًا حتميًا لتجنب النزاعات وضمان استقرار السوق.

وفي النهاية، تكشف الحرب الأمريكية – الإيرانية عن حقيقة جوهرية مفادها أن صناعة التأمين لم تعد مجرد قطاع مالي يعوض الخسائر، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في إدارة الأزمات العالمية، وشريكًا أساسيًا في الحفاظ على استمرارية الأنشطة الاقتصادية. وبينما تستمر التوترات في إعادة تشكيل ملامح النظام العالمي، يبقى التحدي الأكبر أمام شركات التأمين هو قدرتها على التكيف مع واقع يتسم بعدم اليقين، دون أن تفقد توازنها أو قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، في عالم أصبح فيه الخطر أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.