اسواقاقتصاد عالمى

الذهب يكسر حاجز الـ 5 آلاف دولار ويطيح بسندات الخزانة الأمريكية لأول مرة منذ عقود

في مشهد يعيد صياغة النظام النقدي العالمي، سجلت أسعار الذهب مستويات تاريخية قرب 5 آلاف دولار للأوقية، مدفوعة بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وقيام البنوك المركزية الأجنبية ببيع مكثف لسندات الخزانة الأمريكية. ويأتي هذا التحول بعد أن اشترت البنوك المركزية 1080 طناً من المعدن الأصفر في عام 2022، وهي الكمية الأكبر منذ عصر معيار الذهب، لتتجاوز حيازة الذهب سندات الحكومة الأمريكية لأول مرة منذ عام 1996.

هذا الصعود يمثل “انتقاماً” تاريخياً للمعدن الذي وصفه الاقتصاديون قبل قرن بـ “الأثر الهمجي”. فمنذ عام 1924، حين أطلق جون ماينارد كينز طلقته الافتتاحية معتبراً الذهب تكنولوجيا بدائية، سادت فكرة العملات المُدارة التي تكرست في “بريتون وودز” عام 1944، وصولاً إلى قرار الرئيس نيكسون عام 1971 بفك ارتباط الدولار بالذهب. ورغم تهليل خبراء الاقتصاد -وعلى رأسهم ميلتون فريدمان- لأسعار الصرف العائمة، إلا أن الذهب رد سريعاً بقفزة بلغت 2,300% خلال السبعينيات، بينما فقد الدولار نصف قوته الشرائية.

ورغم نجاح بول فولكر في الثمانينيات في استعادة مصداقية النقود المُدارة برفع الفائدة إلى 20%، مما أدى لانهيار الذهب ووصوله لـ “قاع براون” مطلع الألفية، إلا أن أزمة 2008 أعادت للأذهان دور الذهب كأصل لا مديونية عليه ولا إدارة تديره. أما التحول الأخطر فقد جاء بعد غزو روسيا لأوكرانيا وتجميد 300 مليار دولار من احتياطياتها، حيث أدركت الدول غير المنحازة أن الأصول الدولارية قابلة للمصادرة، مما دفع دولاً مثل الصين والهند وتركيا وبولندا وسنغافورة للهروب نحو الذهب كأصل وحيد لا يمكن تجميده عبر “سويفت” أو تدميره بقرار سياسي.

واليوم، ومع اندلاع الحرب على إيران، انكسرت حلقة إعادة تدوير “البترودولار” ببيع 82 مليار دولار من سندات الخزانة خلال 5 أسابيع مع إغلاق مضيق هرمز. ليثبت الذهب مجدداً أن قوته لا تنبع من التضخم فحسب، بل من انهيار الثقة في المؤسسات النقدية، مؤكداً أنه رغم محاولات الاقتصاديين دحضه طوال 300 عام، لا يزال المعدن يتفوق بالنقاط في صراعه التاريخي ضد الديون والسياسات المُدارة.