تقارير

فاس العتيقة… ذاكرة المغرب الحية وعاصمة الروح والعلم

 

فاس  : احمد دياب 

 

تُعد مدينة فاس القديمة، أو كما يُطلق عليها «فاس البالي»، واحدة من أعرق المدن التاريخية في العالم الإسلامي، ودرّة متفردة في تاج المدن المغربية، حيث تمتزج عبق القرون الأولى بروح الحاضر في لوحة حضارية نادرة. ليست فاس مجرد مدينة، بل سجل حي لتاريخ المغرب السياسي والعلمي والديني، ومرآة صادقة لهويته العربية الإسلامية الممتدة لأكثر من اثني عشر قرنًا.

تأسست مدينة فاس في نهاية القرن الثامن الميلادي على يد إدريس الثاني عام 808م، لتكون أول عاصمة حقيقية للدولة الإدريسية، ومنها انطلقت أسس الدولة المغربية المستقلة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المدينة مركزًا للعلم والمعرفة والدين، ومقصدًا للعلماء والفقهاء والتجار من الأندلس وإفريقيا جنوب الصحراء والمشرق العربي، وهو ما منحها تنوعًا ثقافيًا فريدًا انعكس على عمرانها وأسواقها وعادات أهلها.

 

تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن فاس العتيقة تُعد من أكبر وأكثف المدن التاريخية في العالم، إذ تمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 280 هكتارًا، وتضم ما يزيد على 9 آلاف زقاق وحارة متشابكة، يعيش بها أكثر من 150 ألف نسمة. وتحتوي المدينة على ما يقرب من 120 مسجدًا وزاوية، إلى جانب نحو 30 مدرسة تاريخية تعود في معظمها إلى العصور الإدريسية والمرينية، فضلًا عن أكثر من 20 حمامًا تقليديًا لا يزال عدد منها يعمل حتى اليوم. وتضم المدينة أيضًا أكثر من 3 آلاف ورشة حرفية تقليدية، تعمل في مجالات الدباغة، والنحاس، والزليج، والخزف، والنسيج، وتشكل مصدر دخل أساسي لآلاف الأسر، كما تستقطب سنويًا مئات الآلاف من الزوار من داخل المغرب وخارجه، مما يجعلها من أكثر المواقع التراثية زيارة في المملكة.

عند الدخول إلى فاس العتيقة، يشعر الزائر وكأنه يعبر بوابة زمنية تعيده إلى العصور الوسطى، حيث الأزقة الضيقة المرصوفة بالحجر، والبيوت العتيقة ذات الأبواب الخشبية المنقوشة، والروائح المختلطة للتوابل والجلود والعطور التقليدية. وتُعد فاس القديمة أكبر منطقة حضرية خالية من السيارات في العالم، وهو ما حافظ على طابعها التاريخي الأصيل، وجعلها واحدة من مواقع التراث العالمي المسجلة لدى منظمة اليونسكو منذ عام 1981.

وتقف جامعة القرويين، التي تأسست عام 859م على يد فاطمة الفهرية، شاهدًا خالدًا على المكانة العلمية لمدينة فاس، إذ تُعد أقدم جامعة ما زالت تعمل في العالم وفق اعتراف دولي. ولم تكن القرويين مجرد مؤسسة تعليمية، بل منارة فكرية كبرى تخرج فيها كبار العلماء والفلاسفة، وأسهمت في نقل العلوم العربية والإسلامية إلى أوروبا، خاصة خلال العصور الوسطى.
وتزخر فاس العتيقة بعدد هائل من المعالم الدينية والتاريخية، مثل جامع الأندلس، ومدرسة العطارين، ومدرسة بو عنانية، التي تُعد من أروع نماذج العمارة المرينية بما تحمله من زخارف جبسية وخشبية غاية في الدقة. كما تمثل الأسوار والأبواب التاريخية، مثل باب بوجلود، رموزًا معمارية تعكس عظمة التخطيط العمراني المغربي القديم.

ولا يمكن الحديث عن فاس دون التوقف أمام صناعاتها التقليدية الشهيرة، وعلى رأسها دباغة الجلود في حي الشوّارة، حيث تُمارس هذه الحرفة بالطريقة ذاتها منذ مئات السنين. ويعمل الحرفيون في صمت وصبر، محافظين على تقاليد توارثوها جيلًا بعد جيل، لتنتج فاس أجود أنواع الجلود التي تُصدر إلى مختلف دول العالم. كما تشتهر المدينة بفنون الزليج، والنحاس، والنسيج، والخزف، وهي صناعات لا تزال حية نابضة رغم تحديات العصر الحديث.

أما الأسواق الفاسية، فهي عالم قائم بذاته، تنبض بالحركة والحياة، وتقدم نموذجًا فريدًا للاقتصاد التقليدي المرتبط بالثقافة والهوية. ففي كل زقاق حرفة، ولكل سوق طابعه الخاص، حيث يلتقي التاريخ بالتجارة في مشهد إنساني بالغ الثراء.
ورغم قدمها، لم تبقَ فاس العتيقة حبيسة الماضي، بل شهدت خلال السنوات الأخيرة جهودًا كبيرة في مجال الترميم والحفاظ على التراث، بدعم من الدولة المغربية ومؤسسات دولية، بهدف صون هذا الإرث الإنساني ونقله للأجيال القادمة، مع تحسين ظروف عيش السكان المحليين.

وتظل فاس العتيقة مدينة للروح قبل أن تكون مدينة للحجر، حيث يلمس الزائر عمق التدين المعتدل، والتسامح الثقافي، والكرم المغربي الأصيل. إنها مدينة تُعلّم الزائر أن الحضارة ليست في ناطحات السحاب، بل في احترام الذاكرة، والحفاظ على الإنسان، وصون الجمال.

فاس ليست مجرد وجهة سياحية، بل تجربة حضارية متكاملة، تحكي قصة المغرب منذ فجر تاريخه، وتؤكد أن المدن العظيمة لا تشيخ، بل تزداد جمالًا كلما تقدّم بها الزمن.