تقارير

ميناء طنجة المتوسط : شهادة من الداخل على معجزة مغربية أعادت رسم خريطة التجارة العالمية

 

طنجة : احمد دياب 

في أقصى شمال المغرب، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، يقف ميناء طنجة المتوسط كأحد أهم المنصات اللوجستية في العالم، وشاهدًا على رؤية مغربية طموحة حوّلت الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية مؤثرة. لم يعد الميناء مجرد منشأة بحرية، بل أصبح مركزًا عالميًا لحركة التجارة، وجسرًا يربط بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، ونقطة عبور رئيسية على أهم خطوط الملاحة الدولية. بفضل بنيته التحتية الحديثة، وقدراته التشغيلية المتقدمة، وشبكة ارتباطه الواسعة بالموانئ العالمية، نجح طنجة المتوسط في فرض نفسه كأكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط، ومحرك أساسي للتنمية الاقتصادية والصناعية في المغرب. هنا، من قلب مضيق جبل طارق، يكتب المغرب فصلًا جديدًا في تاريخ الموانئ الكبرى، ويؤكد حضوره القوي في سلاسل الإمداد العالمية.

صحفيون أفارقة يطّلعون على أسرار طنجة المتوسط في جولة نظمَتها الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين

وفي إطار تعزيز الانفتاح الإعلامي وتبادل الخبرات بين الصحفيين الأفارقة، نظّمت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب جولة ميدانية لوفد من الصحفيين القادمين من مختلف الدول الأفريقية، لزيارة ميناء طنجة المتوسط والاطلاع عن قرب على واحد من أكبر المشاريع اللوجستية في القارة. وقد أتاحت هذه الزيارة للصحفيين فرصة التعرف على الإمكانات الهائلة للميناء، وبنيته التحتية المتطورة، ودوره المحوري في ربط المغرب بشبكات التجارة العالمية، إلى جانب الوقوف على الأثر الاقتصادي والاجتماعي للميناء في دعم التنمية وخلق فرص العمل، بما يعكس حرص الجمعية على ترسيخ إعلام مهني منفتح على التجارب الرائدة وتعزيز جسور التواصل بين الإعلام الأفريقي والمشاريع الاستراتيجية الكبرى في المغرب.

 

قال القبطان طارق دوراس، المرشد الرئيسي لميناء طنجة المتوسط، أستطيع القول بكل ثقة إن هذا الميناء لم يعد مجرد منشأة بحرية على سواحل شمال المغرب، بل أصبح قصة نجاح وطنية مكتملة الأركان، ورمزًا لقدرة المغرب على تحويل موقعه الجغرافي الاستثنائي إلى قوة اقتصادية ولوجستية عالمية. منذ اللحظة الأولى التي وُضع فيها حجر الأساس لهذا المشروع، كان الهدف واضحًا: أن يكون طنجة المتوسط بوابة المغرب إلى العالم، وجسرًا يربط القارات، ومنصة تعيد رسم خريطة التجارة البحرية في حوض المتوسط وأفريقيا.

الموقع الاستراتيجي: قلب التجارة العالمية النابض

في البداية  قال  طارق دوراس  ان ميناء طنجة المتوسط يقع  على واحد من أكثر المواقع البحرية أهمية في العالم، عند مضيق جبل طارق، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، وحيث تعبر يوميًا آلاف السفن التي تحمل الجزء الأكبر من تجارة العالم. هذا الموقع الفريد لم يكن مجرد ميزة طبيعية، بل كان نقطة الانطلاق لبناء مشروع استراتيجي ضخم يخدم ليس فقط المغرب، بل الاقتصاد العالمي بأسره. من هنا، ومن هذا الموقع تحديدًا، أصبح الميناء قادرًا على الارتباط المباشر بأكثر من 180 ميناء في نحو 70 دولة، وهو ما جعل طنجة المتوسط منصة عبور رئيسية على خطوط الملاحة الدولية دون الحاجة إلى انحراف السفن عن مساراتها التجارية الكبرى.

من فكرة إلى إنجاز: كيف وُلد عملاق الموانئ

واوضح  انه حين بدأ العمل في ميناء طنجة المتوسط، كانت الرؤية تقوم على إنشاء مجمع مينائي متكامل، لا يقتصر دوره على الشحن والتفريغ، بل يمتد ليشمل الصناعة والخدمات اللوجستية والنقل متعدد الوسائط. اليوم، وبعد سنوات من العمل المتواصل، أستطيع القول إن هذه الرؤية تحولت إلى واقع ملموس. الميناء لم يُبنَ دفعة واحدة، بل تطور على مراحل مدروسة، روعي فيها التوسع التدريجي، ومواكبة النمو المتسارع في حركة التجارة العالمية، والاعتماد على أحدث التقنيات في إدارة وتشغيل الموانئ.

أرقام تتحدث عن نفسها: أداء قياسي ومكانة متقدمة

لافتا انه عندما نتحدث عن ميناء طنجة المتوسط، فإن الأرقام تصبح لغة بحد ذاتها. خلال عام 2024، سجل الميناء رقمًا قياسيًا في مناولة الحاويات، حيث تجاوز حجم النشاط أكثر من عشرة ملايين حاوية مكافئة، وهو ما وضعه في صدارة موانئ البحر الأبيض المتوسط، وجعله الأكبر في المنطقة من حيث حجم العمليات. هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وكفاءة عالية في التشغيل، وثقة متزايدة من كبرى شركات الشحن العالمية التي اختارت طنجة المتوسط كمحطة رئيسية ضمن شبكاتها الدولية.

بنية تحتية بمعايير عالمية

 وشدد  المرشد  علي ان الميناء طنجة المتوسط  يضم منظومة متكاملة من الأرصفة العميقة ومحطات الحاويات الحديثة القادرة على استقبال أضخم السفن في العالم. العمق البحري الذي يتمتع به الميناء يسمح باستقبال السفن العملاقة دون قيود، في حين تضمن المعدات المتطورة سرعة عمليات الشحن والتفريغ، وتقليص زمن انتظار السفن. إلى جانب ذلك، يتمتع الميناء بربط مباشر بشبكة الطرق السيارة والسكك الحديدية، ما يضمن انسيابية حركة البضائع من وإلى مختلف مناطق المغرب، ويعزز دوره كمركز لوجستي متكامل.

 

الربط بالعالم: المغرب في قلب سلاسل الإمداد الدولية

من خلال طنجة المتوسط، أصبح المغرب لاعبًا أساسيًا في سلاسل الإمداد العالمية. الميناء لا يخدم فقط عمليات العبور، بل يلعب دورًا محوريًا في التصدير والاستيراد، خاصة في القطاعات الصناعية الكبرى. مصانع السيارات، وعلى رأسها صناعة السيارات المغربية، تعتمد بشكل رئيسي على هذا الميناء لتصدير منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية في زمن قياسي. هذا الربط الفعال بين الصناعة والميناء منح المغرب ميزة تنافسية حقيقية، وجعله وجهة مفضلة للاستثمار الصناعي

فرص العمل: الأثر الاجتماعي للميناء

وقال انه من أكثر الجوانب التي أعتز بها في تجربتي داخل ميناء طنجة المتوسط هو الأثر الاجتماعي المباشر لهذا المشروع. الميناء لم يخلق ثروة اقتصادية فقط، بل خلق فرص عمل حقيقية لآلاف الأسر المغربية. اليوم، وفّر المجمع المينائي والمنصات الصناعية واللوجستية المحيطة به أكثر من مئة وثلاثين ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. هذه الوظائف شملت مختلف المستويات، من العمالة التقنية والمهنية، إلى المهندسين والخبراء في النقل واللوجستيات، وصولًا إلى الكفاءات الإدارية والتجارية، وهو ما ساهم في تنمية منطقة شمال المغرب بشكل غير مسبوق.

 

المنصة الصناعية: من الميناء إلى المصنع

واوضح ان ما يميز طنجة المتوسط عن كثير من الموانئ العالمية هو تكامله مع منصة صناعية ضخمة تحتضن مئات الشركات الوطنية والدولية. هذه المنصة لم تُنشأ بعيدًا عن الميناء، بل وُضعت في قلبه، لتكون قريبة من الأرصفة وخطوط الشحن. هذا القرب مكّن الشركات من تقليص تكاليف النقل، وتسريع عمليات التصدير، والعمل وفق منطق الإنتاج الموجّه للأسواق العالمية. اليوم، تضم هذه المنصة شركات تعمل في قطاعات السيارات، والطيران، والنسيج، والإلكترونيات، والصناعات الغذائية، ما جعل طنجة المتوسط ليس فقط ميناءً، بل قطبًا صناعيًا متكاملًا.

الابتكار والاستدامة: ميناء المستقبل يبدأ اليوم

وقال المرشد الرئيسي اننا  في عصر تتسارع فيه التحولات البيئية والرقمية، كان من الضروري أن يواكب ميناء طنجة المتوسط هذه التغيرات. لذلك، نعمل باستمرار على اعتماد حلول مبتكرة تقلل من الأثر البيئي للأنشطة المينائية، وتعزز استخدام الطاقة النظيفة، وتحد من الانبعاثات. إلى جانب ذلك، نعتمد على أنظمة رقمية متقدمة في إدارة العمليات، ما يسمح بتقليص زمن المعاملات، وتحسين مستوى الشفافية، وتسهيل الإجراءات أمام المتعاملين مع الميناء.

الطموح المستقبلي: توسع لا يتوقف

رغم كل ما تحقق، فإن طموحنا في طنجة المتوسط لا يتوقف عند حدود ما أُنجز. نعمل باستمرار على مشاريع توسعية تهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية للميناء، وتعزيز قدرته على استيعاب النمو المتزايد في حركة التجارة العالمية. هذه المشاريع لا تهدف فقط إلى زيادة الأرقام، بل إلى تحسين جودة الخدمات، وتعزيز تنافسية المغرب كمركز لوجستي عالمي، قادر على مواكبة التحولات الكبرى في الاقتصاد الدولي.

 طنجة المتوسط… قصة مغرب يثق في نفسه

في ختام  أؤكد  المرشد الرئيسي لميناء طنجة المتوسط أن هذا المشروع يمثل أكثر من مجرد ميناء. إنه تجسيد لرؤية مغربية طموحة، تؤمن بقدرتها على المنافسة، وتستثمر في موقعها، وفي مواردها البشرية، وفي مستقبلها. طنجة المتوسط هو قصة مغرب اختار أن يكون حاضرًا بقوة في قلب التجارة العالمية، وأن يصنع لنفسه مكانة تليق بتاريخه وطموح شعبه.