تقارير

متحف وحديقة ماجوريل بمراكش… ذاكرة الفن والطبيعة ورمز السياحة الثقافية العالمية

مراكش : احمد دياب 

 

٩

يُعد متحف وحديقة ماجوريل (Jardin Majorelle) أحد أبرز المعالم الثقافية والسياحية في مدينة مراكش، وواحدًا من أشهر الحدائق الفنية في العالم، حيث يلتقي الفن التشكيلي بالطبيعة، وتتعانق الألوان مع النباتات النادرة، في لوحة إنسانية تعكس عبقرية الإبداع وتراكم الذاكرة الثقافية المغربية. هذا الصرح لم يكن مجرد حديقة نباتية، بل تحوّل عبر العقود إلى مؤسسة ثقافية وسياحية عالمية تستقطب مئات الآلاف من الزوار سنويًا من مختلف الجنسيات، وتسهم بدور فاعل في دعم السياحة المغربية وتعزيز صورتها دوليًا.

تاريخ الإنشاء والبدايات الأولى

تعود قصة حديقة ماجوريل إلى عام 1923، حين قرر الرسام الفرنسي الشهير جاك ماجوريل، نجل مصمم الأثاث المعروف لويس ماجوريل، الاستقرار في مراكش بعد تأثره العميق بسحر المدينة وألوانها وضوئها الطبيعي. اشترى ماجوريل قطعة أرض في منطقة قريبة من بساتين النخيل، وشرع في إنشاء حديقة نباتية حول فيلا خاصة به، مستلهمًا أفكاره من العمارة المغربية التقليدية ومن المدارس الفنية الحديثة في أوروبا


على مدى سنوات طويلة، عمل جاك ماجوريل على جلب النباتات النادرة من مختلف بقاع العالم، وصمّم فضاءً فنيًا فريدًا اعتمد فيه على تباين الألوان، ليظهر لاحقًا اللون الأزرق الشهير الذي حمل اسمه، والمعروف اليوم عالميًا باسم “أزرق ماجوريل”. وفي عام 1947، فُتحت الحديقة لأول مرة أمام العموم، لتصبح فضاءً ثقافيًا مفتوحًا، يجمع بين الفن والطبيعة.

من الإهمال إلى الإحياء الثقافي

بعد وفاة جاك ماجوريل سنة 1962، دخلت الحديقة مرحلة من الإهمال، وكادت تفقد هويتها الأصلية. غير أن التحول الحاسم جاء سنة 1980، عندما اقتنى مصمم الأزياء العالمي إيف سان لوران وشريكه بيار بيرجي الحديقة، وأنقذاها من مشروع عقاري كان يهدد معالمها التاريخية.

 


قام الثنائي بعملية ترميم شاملة، أعادت للحديقة رونقها، مع الحفاظ على روحها الأصلية، وتطوير بنيتها الثقافية. وفي عام 2001، تم تأسيس مؤسسة حديقة ماجوريل، وهي مؤسسة غير ربحية أُعلن عنها رسميًا كمؤسسة ذات منفعة عامة سنة 2011، تُعنى بالحفاظ على التراث الفني والطبيعي للموقع، وتطويره وفق معايير الاستدامة الثقافية والبيئية.

المساحة والتصميم المعماري

تمتد حديقة ماجوريل على مساحة تُقدَّر بنحو هكتار واحد، أي ما يقارب 10 آلاف متر مربع، وتقع في حي جليز العصري بمدينة مراكش. ورغم المساحة المتوسطة نسبيًا، فإن التصميم الذكي والمتناسق يمنح الزائر إحساسًا بالاتساع والانسجام، حيث تتوزع الممرات المظللة، والبرك المائية، والنوافير، والجدران الملونة، في مشهد بصري متكامل.

ويعكس التصميم المعماري مزيجًا متناغمًا بين الطراز المغربي التقليدي واللمسة الفنية الأوروبية الحديثة، مع حضور قوي للألوان الزاهية، خصوصًا الأزرق، والأصفر، والأخضر، التي تضفي على المكان طابعًا فنيًا مميزًا.
النباتات والأشجار النادرة… تنوع بيولوجي عالمي


تُعد حديقة ماجوريل واحدة من أغنى الحدائق النباتية في شمال إفريقيا من حيث التنوع، إذ تضم أكثر من 300 نوع من النباتات والأشجار القادمة من خمس قارات. وتشمل هذه المجموعة الواسعة أنواعًا نادرة من الصبار، وأشجار النخيل، واليوكا، والخيزران، والبوغانفيليا، إضافة إلى نباتات مائية وزهور استوائية وصحراوية تعيش في تناغم بيئي دقيق.

ويخضع هذا التنوع النباتي لبرنامج عناية صارم، يعتمد على نظام ري حديث ومراقب، يراعي احتياجات كل نوع نباتي على حدة، إلى جانب تدخل بشري متخصص من طرف فريق من البستانيين والمهندسين الزراعيين، الذين يعملون على مدار العام للحفاظ على صحة النباتات واستدامتها، رغم الظروف المناخية شبه الجافة التي تميز مدينة مراكش.

المتحف والبعد الثقافي

لا تقتصر أهمية الموقع على الجانب النباتي فقط، بل يضم أيضًا متحف بيار بيرجي للفنون الأمازيغية، الذي يحتضن مجموعة فريدة من القطع التراثية التي تعكس عمق الحضارة الأمازيغية في المغرب وشمال إفريقيا. ويعرض المتحف مئات القطع الفنية، من أزياء تقليدية، وحُلي فضية، وأدوات زينة، ومنسوجات، تمثل مختلف مناطق المغرب.


كما يرتبط الموقع ثقافيًا بـ متحف إيف سان لوران المجاور، ما يجعل المنطقة قطبًا ثقافيًا متكاملًا، يجذب عشاق الفن، والموضة، والتراث، والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

عدد العاملين وإدارة الموقع

تشغّل مؤسسة حديقة ماجوريل أكثر من 200 موظف، يتوزعون بين الإدارة، والبستنة، والأمن، وخدمات الزوار، والإرشاد الثقافي، والبرامج التعليمية. ويعكس هذا العدد حجم النشاط اليومي المكثف للموقع، الذي يستقبل آلاف الزوار أسبوعيًا، ويحتاج إلى إدارة دقيقة توازن بين الحفاظ على الموقع وضمان جودة التجربة السياحية.

مصادر التمويل والاستدامة الاقتصادية

تعتمد حديقة ماجوريل في تمويلها أساسًا على مداخيل التذاكر، سواء الخاصة بالحديقة أو المتحف، إضافة إلى المتاجر الثقافية التابعة للموقع. كما تستفيد المؤسسة من شراكات ثقافية ودعم خاص، يُوجَّه أساسًا إلى صيانة الموقع، وتمويل البرامج الثقافية، ودعم مشاريع اجتماعية وفنية داخل المغرب وخارجه.

 


ويُعاد استثمار جزء كبير من العائدات في تطوير البنية التحتية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وضمان استمرارية الموقع كفضاء ثقافي مستدام.

عدد الزوار والجنسيات الوافدة

يستقبل متحف وحديقة ماجوريل سنويًا ما بين 800 ألف ومليون و200 ألف زائر، ما يجعله من أكثر المواقع السياحية زيارة في المغرب. ويأتي الزوار من مختلف دول العالم، خاصة من أوروبا، وعلى رأسها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة، وكندا، ودول الشرق الأوسط، وإفريقيا، إلى جانب السياح المغاربة.

هذا التنوع في الجنسيات يعكس المكانة العالمية التي يحظى بها الموقع، ودوره في تعزيز صورة المغرب كوجهة ثقافية وسياحية راقية.

جولة صحفية لتعزيز التبادل الإعلامي الإفريقي

في هذا الإطار، نظّمت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب جولة خاصة داخل متحف وحديقة ماجوريل، لفائدة وفد من الصحفيين المصريين والأفارقة، في خطوة تهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي والإعلامي، وتسليط الضوء على التجربة المغربية في إدارة المواقع الثقافية والسياحية.


وشملت الجولة زيارة مختلف مرافق الحديقة والمتحف، والاطلاع على آليات التسيير والعناية بالموقع، إضافة إلى لقاءات تفاعلية مع مسؤولي المؤسسة.


وخلال الجولة، أكد أشرف مفتاحي، مسؤول الاتصال بمتحف وحديقة ماجوريل، أن الموقع يمثل نموذجًا ناجحًا للتكامل بين الثقافة والسياحة، مشيرًا إلى أن الحديقة ليست مجرد فضاء أخضر، بل رسالة حضارية تعكس انفتاح المغرب على العالم.

وأوضح أن المؤسسة تولي أهمية كبرى للاستدامة البيئية، والحفاظ على التنوع النباتي، مع الحرص على تقديم تجربة ثقافية غنية للزوار من مختلف الخلفيات. وأضاف أن استقبال الوفود الإعلامية الإفريقية والعربية يندرج في إطار الانفتاح على العمق الإفريقي، وتعزيز الحضور الإعلامي للمغرب في القارة.

وأوضح مفتاحى أنه سوف يبقى متحف وحديقة ماجوريل شاهدًا حيًا على قدرة الفن والطبيعة على خلق فضاء إنساني جامع، يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. فمن مشروع فني خاص إلى مؤسسة ثقافية عالمية، نجح هذا الصرح في ترسيخ مكانته كأحد رموز مراكش الحديثة، ورافد أساسي من روافد السياحة الثقافية في المغرب، مؤكدًا أن الاستثمار في الثقافة والتراث هو استثمار في المستقبل.