الناشر أولًا… حين يكتب المغرب فصلًا جديدًا في تاريخ إعلامه

حين يصبح الناشر قضية وطنية
المغرب :احمد دياب
ليس كل وداع نهاية، وليس كل حدث يُقاس بزمن انعقاده. أحيانًا تأتي لحظة ختام لتكشف ما هو أعمق من برنامج وفعاليات، لحظة تُعرّي المعنى الحقيقي للدور، وتضع الإعلام أمام مرآته بلا مساحيق. ما جرى في المغرب لم يكن مجرد محطة إعلامية ناجحة، بل إعلان غير مباشر عن انتقال الصحافة من الهامش إلى قلب النقاش الوطني، ومن رد الفعل إلى صناعة القرار
حين وقف إدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب، مودّعًا الوفود الإعلامية العربية والدولية، لم يكن يختتم حدثًا، بل كان يوقّع على مرحلة. مرحلة يُعاد فيها الاعتبار للناشر باعتباره حجر الزاوية في معادلة الإعلام، لا تابعًا ولا متلقيًا، بل شريكًا كامل الأهلية في صياغة المشهد، ومسؤولًا عن الكلمة كما عن أثرها
ذلك المشهد المكثف، في بساطته الظاهرة وعمقه الرمزي، قال الكثير دون خطابات مطوّلة. قال إن المغرب لا يتعامل مع الإعلام كديكور، بل كقوة ناعمة، وكرافعة وعي، وكجبهة سيادية لا تقل أهمية عن أي ملف استراتيجي آخر. وقال إن الإصلاح الحقيقي لا يُصنع بالضجيج، بل بالعمل الهادئ، وبالقيادة التي تعرف متى تتقدم ومتى تترك للأثر أن يتكلم
في زمن تتهاوى فيه نماذج صحفية تحت وطأة الفوضى الرقمية، وتُستنزف فيه المهنة بين منطق الربح السريع وتآكل الثقة، يختار المغرب طريقًا مختلفًا. طريق يُعيد ترتيب البيت من الداخل، ويضع “الناشر أولًا” لا كشعار تعبوي، بل كخيار استراتيجي لإنقاذ المهنة من التآكل، واستعادة هيبتها، وضمان استمراريتها
مشهد ختام كشف المعنى الحقيقي
لم يكن المشهد الختامي مجرد وداع رسمي يُسدل به الستار على فعاليات إعلامية ناجحة، بل لحظة كاشفة لمعنى أعمق ظل حاضرًا طوال أيام الحضور الإعلامي بالمغرب. وفي تلك اللحظة، بدا الوداع وكأنه بيان غير مكتوب عن فلسفة مغربية راسخة في إدارة الإعلام، واحترام الضيوف، وصناعة الرسائل ذات الأثر البعيد
امتزج الوداع بالفخر، لا باعتباره شعورًا عاطفيًا عابرًا، بل باعتباره تعبيرًا واعيًا عن إدراك عميق لقيمة الإعلام ودوره، وثقة في تجربة وطنية لا تحتاج إلى استعراض بقدر ما تحتاج إلى حضور هادئ يترك أثره طويلًا بعد انقضاء الحدث
حين يتحول الوداع إلى ذاكرة إعلامية
كلمات رئيس الجمعية جاءت محمّلة بدلالات تتجاوز اللحظة. نبرة هادئة، لغة واثقة، ورسالة واضحة مفادها أن المغرب لا يستقبل الإعلام فقط، بل يحتضنه، ولا يودّع ضيوفه بروتوكوليًا، بل يودّعهم بذاكرة مفتوحة وشعور صادق بالتقدير
غادرت الوفود وهي تحمل أكثر من صور وتقارير ومقاطع مصورة، لكنها غادرت أيضًا وهي تحمل تجربة إنسانية ومهنية متكاملة، عنوانها بلد يعرف كيف يحوّل الحدث إلى قصة، والزيارة إلى شهادة، والوداع إلى بداية جديدة من الاحترام المتبادل
الدبلوماسية الإعلامية… مدرسة مغربية بنَفَس خاص
ذلك المشهد لم يكن منفصلًا عن السياق العام، بل جاء امتدادًا لمدرسة مغربية متكاملة في الدبلوماسية الإعلامية، مدرسة لا تقوم على الضجيج، بل على الاحتراف، ولا تراهن على اللحظة، بل تبني المسار. مدرسة تمزج بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخر، وبين التنظيم الصارم واللمسة الإنسانية الدافئة، وبين الرسالة الوطنية والحضور الدولي الواثق
الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب… من إطار مهني إلى فاعل مركزي
في خضم التحولات العميقة التي يعرفها المشهد الإعلامي عالميًا، حيث تفرض الرقمنة إيقاعها، وتضغط الإكراهات الاقتصادية، وتتراجع الثقة في المحتوى، تبرز الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه. لم تعد الجمعية مجرد إطار يجمع المهنيين، بل تحوّلت إلى مؤسسة تقود ورشًا وطنيًا هادئًا لكنه بالغ العمق، لإعادة ترتيب البيت الصحفي، وإعادة تعريف دور الناشر، وموقعه، ومسؤوليته داخل المجتمع
ما يميز هذا الورش الإصلاحي أنه لا يُدار بمنطق الشعارات الرنانة ولا بردود الفعل السريعة، بل برؤية تراكمية واعية تقوم على توازن دقيق بين حرية التعبير والانضباط المهني، وبين الاستقلالية والقدرة على الاستمرار، وبين التعدد في الأصوات والحفاظ على المعايير
فلسفة “الناشر أولًا” كخيار استراتيجي
منذ سنوات، اختارت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب أن تضع الناشر في قلب المعادلة، لا باعتباره مالكًا للمؤسسة فقط، بل فاعلًا مهنيًا مسؤولًا يتحمل تبعات الكلمة بقدر ما يدرك تأثيرها. ومن هذا المنطلق، انخرطت الجمعية في مسار إصلاحي طويل هدفه حماية المقاولات الصحفية الجادة، والمساهمة الفاعلة في النقاش العمومي حول القوانين المنظمة للإعلام، ومواجهة الفوضى الرقمية التي تهدد مصداقية المهنة، والمطالبة بنموذج دعم عادل وشفاف، والدفاع عن حقوق الناشرين داخل البيئة الرقمية المتغيرة
إدريس شحتان… قيادة هادئة تصنع الاتجاه
في قلب هذه التجربة، يبرز إدريس شحتان كأحد أبرز الوجوه القيادية في المشهد الإعلامي المغربي المعاصر. قيادة لا تقوم على الصدام ولا على المجاملة، بل على وضوح الرؤية وصلابة الموقف حين يستدعي الأمر. بوصفه رئيسًا للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب، شكّل صوتًا موحدًا للناشرين في المحافل الرسمية، ومرجعية مهنية في القضايا الكبرى، وقائدًا يوازن بين الحزم والحكمة، ويؤمن بأن قوة المهنة من قوة مؤسساتها
الإدارة التي تُمسك بالخيوط
وإذا كان رئيس الجمعية يرسم الاتجاه العام، فإن الإدارة العامة تضطلع بمهمة تحويل الرؤية إلى سياسات عملية وبرامج قابلة للتنفيذ. فهي العقل التدبيري الذي يشتغل بعيدًا عن الأضواء، لكنه يصنع الفارق في النتائج، ويضمن استمرارية العمل المؤسساتي، عبر إدارة الملفات التنظيمية، وتنسيق العلاقات مع الشركاء، وإعداد الدراسات والتقارير، وبلورة حلول عملية للأزمات البنيوية التي يعرفها القطاع
إلهام بتاش… نبض التنفيذ وروح الميدان
في قلب هذه الدينامية، تتقدم إلهام بتاش، المديرة التنفيذية للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب، بوصفها حلقة الوصل الحقيقية بين الرؤية والواقع، وبين القرار والتنزيل. حضور ميداني دائم، وقدرة على إدارة التفاصيل، وحس مهني عالٍ في تحويل التوصيات إلى برامج وأنشطة ملموسة. تقود العمل التنفيذي وتواكب المبادرات، وتدفع بعجلة التكوين والتأهيل، وتنظم اللقاءات والورشات، وتبني جسور التواصل مع الناشرين والمؤسسات الإعلامية، مضيفة إلى العمل الجمعوي دينامية جديدة قوامها الاحتراف والانفتاح وسرعة التفاعل مع المستجدات
تناغم قيادي يصنع القوة
ما يميز تجربة الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب هو هذا الانسجام الواضح بين مستويات القيادة، حيث تتكامل الرؤية مع التدبير، ويتقاطع القرار مع التنفيذ، في إطار عمل جماعي يخدم هدفًا واحدًا هو إنقاذ المهنة وبناؤها على أسس صلبة. تحت هذا التناغم، راهنت الجمعية على تأهيل الموارد البشرية، ومواكبة التحول الرقمي، وحماية المحتوى الصحفي، والدفاع عن حقوق الناشرين في البيئة الرقمية، وهو رهان استراتيجي يضع الناشر المغربي في قلب المستقبل الإعلامي لا على هامشه
الخلاصة: الصحافة لا تُترك للصدفة
في زمن تتراجع فيه الثقة في الإعلام وتختلط فيه الأصوات بالضجيج، تقدم الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بالمغرب نموذجًا مختلفًا للإصلاح، قوامه قيادة واعية، ورؤية واضحة، وعمل جماعي يؤمن بأن الصحافة ليست قدرًا يُترك للصدفة، بل مشروعًا وطنيًا يُصنع بالإرادة والمسؤولية. تجربة تقول بوضوح إن “الناشر أولًا” ليس شعارًا عابرًا، بل فلسفة عمل تؤسس لصحافة قوية، ومشهد إعلامي أكثر توازنًا، ومستقبل مهني يُكتب بثقة لا بتمنيات

