الذكاء الاصطناعي لاعب رئيسي بمستقبل إعادة التامين

احمد دياب
الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى لاعب رئيسي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساندة في القطاعات الاقتصادية الحديثة، بل أصبح عنصرًا محوريًا في إعادة تشكيل نماذج الأعمال ورفع كفاءة التشغيل وتحسين جودة اتخاذ القرار. ورغم أن قطاع إعادة التأمين يُعرف تاريخيًا بالحذر الشديد وتجنب المخاطر، فإن موجة التحول الرقمي المتسارعة فرضت واقعًا جديدًا، جعل من الذكاء الاصطناعي لاعبًا أساسيًا في مستقبل الصناعة.
تحفظ تاريخي يواجه ثورة رقمية
لطالما اتسمت صناعة إعادة التأمين بطابعها المحافظ، مدفوعة ببيئة تنظيمية صارمة وثقافات مؤسسية تميل إلى الاعتماد على النماذج التقليدية. هذا التحفظ أسهم في تباطؤ تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي مقارنة بقطاعات أخرى، خاصة في ظل غياب الفهم الكامل للفوائد المتوقعة، إلى جانب المخاوف المرتبطة بأمن البيانات والمخاطر السيبرانية.
ومع ذلك، فإن تصاعد المخاطر العالمية، سواء الناتجة عن التغير المناخي أو الاضطرابات الاقتصادية أو المخاطر السيبرانية، دفع شركات إعادة التأمين إلى إعادة النظر في أدواتها التقليدية، والبحث عن حلول أكثر مرونة ودقة.
محاور تأثير الذكاء الاصطناعي في إعادة التأمين
أولًا: تقييم المخاطر بدقة غير مسبوقة
تُمكّن تقنيات الذكاء الاصطناعي شركات إعادة التأمين من تحليل كميات ضخمة من البيانات المتنوعة، بما في ذلك بيانات الطقس، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات أجهزة الاستشعار، ووسائل التواصل الاجتماعي. ويسهم ذلك في تحسين دقة الاكتتاب، واكتشاف المخاطر الناشئة، والتنبؤ بشكل أفضل بالأحداث الكارثية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل تسارع آثار التغير المناخي.
ثانيًا: نماذج اكتتاب ذكية قائمة على البيانات
يعتمد الاكتتاب المدعوم بالذكاء الاصطناعي على دمج البيانات المنظمة وغير المنظمة، بما يسمح ببناء نماذج أكثر تطورًا من النماذج التقليدية. وتستطيع خوارزميات التعلم الآلي تحديد أنماط ترابط معقدة داخل محافظ التأمين، ما يؤدي إلى اختيار أدق للمخاطر، وشروط إعادة تأمين أكثر تخصيصًا، وتقليل زمن الاكتتاب مع تحسين جودة القرار.
ثالثًا: تحسين المحافظ وتخصيص رأس المال
لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تسعير العقود الفردية، بل يمتد إلى تحسين أداء المحافظ بالكامل. فمن خلال المحاكاة المتقدمة والتعلم المعزز، يمكن تقييم تأثير كل اتفاقية على كفاية رأس المال ونسب الملاءة والعائد المتوقع، وهو ما يكتسب أهمية متزايدة في ظل تشدد المتطلبات الرقابية وارتفاع تدقيق وكالات التصنيف.
التسعير الديناميكي والكشف عن الاحتيال
بدأت بعض شركات إعادة التأمين في اختبار نماذج تسعير ديناميكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تسمح بإعادة تسعير المخاطر أو تعديل شروط العقود بناءً على البيانات الفعلية واتجاهات الخسائر في الوقت الحقيقي، خاصة في قطاعات عالية التقلب مثل الطيران والمخاطر السيبرانية والتأمين البحري.
وفي مجال مكافحة الاحتيال، أثبتت نماذج التعلم الآلي قدرتها على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية والحالات الاحتيالية بدقة عالية، ما يوفر حماية فعالة ضد أساليب الاحتيال المتطورة، ويحد من الخسائر غير المبررة.
قفزة في الكفاءة التشغيلية وإدارة المطالبات
تُسهم الأنظمة الذكية في تسريع عمليات معالجة المطالبات، بدءًا من تقييم الأضرار، مرورًا بالكشف عن الاحتيال، وصولًا إلى تقليل الأخطاء التشغيلية. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على خفض مدفوعات المطالبات بنسبة تتراوح بين 3% و4%، وتقليل نفقات تسوية الخسائر بنسبة قد تصل إلى 30%، وهو ما يعزز الكفاءة التشغيلية ويحسن تجربة العملاء.
تحول دور مكتتبي إعادة التأمين
أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في دور مكتتبي إعادة التأمين، إذ انتقلوا من الانشغال بالمهام المتكررة إلى التركيز على التحليل الاستراتيجي واتخاذ القرارات المعقدة. وتعمل الأدوات الذكية اليوم كمساعد اكتتاب متقدم، قادر على قراءة آلاف المستندات والعقود، واستخلاص البيانات الجوهرية، وتحليل السياق، وتقديم مؤشرات واضحة حول جودة المخاطر وجاذبيتها.
إعادة تشكيل العلاقة بين شركات التأمين ومعيدي التأمين
لم تعد العلاقة بين شركات التأمين المباشر ومعيدي التأمين مقتصرة على نقل المخاطر، بل تطورت إلى شراكة استراتيجية قائمة على تبادل البيانات والتحليلات والرؤى المتقدمة. وتؤكد تقارير سوق اللويدز أن معيدي التأمين الذين يستثمرون في التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي باتوا يقدمون قيمة مضافة حقيقية، تشمل تحسين نماذج الاكتتاب، وتسريع المفاوضات، وتعزيز الشفافية والثقة المتبادلة.
تحديات لا يمكن تجاهلها
رغم الفرص الواعدة، لا تزال هناك تحديات رئيسية تواجه تطبيق الذكاء الاصطناعي في إعادة التأمين، أبرزها:
جودة البيانات وعدم جاهزية بعض البنى التحتية الحالية.
تعقيد دمج الأنظمة وارتفاع التكاليف الاستثمارية.
نقص الكفاءات البشرية القادرة على الجمع بين المعرفة التأمينية وعلوم البيانات.
مخاوف أمن البيانات والامتثال التنظيمي، خاصة في ظل القوانين الدولية التي تثير تساؤلات حول سيادة البيانات وحمايتها.
الذكاء الاصطناعي وإعادة تأمين الكوارث الطبيعية
تتعرض شركات إعادة التأمين لضغوط متزايدة نتيجة تصاعد خسائر الكوارث الطبيعية. ووفقًا لتقرير Sigma الصادر عن Swiss Re، بلغت الخسائر المؤمنة عالميًا من الكوارث الطبيعية نحو 107 مليارات دولار في عام 2025، وهو العام السادس على التوالي الذي تتجاوز فيه هذه الخسائر حاجز 100 مليار دولار.
وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة حاسمة لتنظيم فوضى البيانات، وتوحيد التقارير، وتسريع تحليل المطالبات، والحد من النزاعات وتأخير السداد، بما يحقق توازنًا بين السرعة والدقة في أكثر الأوقات حساسية.
رؤية اتحاد شركات التأمين المصرية
يرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن التحدي الحقيقي أمام تعميق استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة التأمين لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الخبرة البشرية القادرة على تدريب النماذج، وفهم مخرجاتها، وتقييم جودتها. فالتكنولوجيا متاحة، لكن تعظيم الاستفادة منها يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين البيانات، والكفاءات، والمنصات التقنية المرنة.
مستقبل لا ينتظر المترددين
ثورة الذكاء الاصطناعي في إعادة التأمين لم تعد سيناريو مستقبليًا، بل واقعًا يتشكل اليوم. والفجوة التنافسية بين الشركات التي تبادر بالتبني وتلك التي تتردد في اتخاذ القرار تتسع بوتيرة متسارعة. وفي عالم تتزايد فيه المخاطر والتقلبات، يصبح الذكاء الاصطناعي ليس خيارًا إضافيًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستدامة والريادة.
الذكاء الاصطناعي في إعادة التأمين، مستقبل إعادة التأمين، الذكاء الاصطناعي والتأمين، اكتتاب إعادة التأمين، تسعير المخاطر، إدارة المطالبات، الكوارث الطبيعية والتأمين، التحول الرقمي في التأمين، إعادة التأمين العالمية







