“منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية تحتفل بالذكرى السابعة والستين لتأسيسها بالقاهرة”

شهد مقر منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية اليوم الأحد 18 يناير 2026م، إقامة فعالية احتفائية كبرى بمناسبة الذكرى السابعة والستين لتأسيس المنظمة، بحضور طيف واسع من الشخصيات الدبلوماسية والسياسية والثقافية والاجتماعية.
تقدم الحضور سعادة السفير الروسي في مصر، وسعادة نائب سفير سنغافورة، وسعادة السفير عبد الحسين الهنداوي، مساعد الأمين العام لجامعة الدول العربية، وسعادة نائب السفير العراقي،ونزار الخالد مساعد رئيس المنظمة لشئون الاعلام و الثقافة و العلاقات العامة إلى جانب نخبة من الشخصيات العامة وممثلين عن الدول الأعضاء في المنظمة، مؤكدين جميعاً أهمية التضامن بين شعوب أفريقيا وآسيا وأهمية الدور التاريخي الذي لعبته المنظمة على مدار عقود.
وفي كلمته بالمناسبة، استعرض السفير محمد العرابي، رئيس منظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية، تاريخ المنظمة ودورها بوصفها مساحة للتضامن والعمل المشترك بين شعوب أفريقيا وآسيا، مستحضرًا دوافع تأسيسها والظروف التي رافقت انطلاقتها، ومؤكدًا أهمية المنظمة كمنصة تجمع ولا تفرق، تعمل على توسيع دائرة التفاهم والدفاع عن قيم السلم والعدالة والاحترام المتبادل.
وأشار العرابي إلى أن المنظمة سعت عبر مسيرتها إلى تحويل شعار التضامن من مجرد عبارة للاستهلاك إلى برنامج عمل عملي يلامس مصالح الشعوب ويعزز ثقافة الحوار، ويقاوم منطق الاصطفافات التي تُهمش صوت المجتمعات لصالح ضجيج الصراعات السياسية.
وأعلن السفير محمد العرابي عن إعادة إحياء وتطوير دور المنظمة لتواكب المتغيرات الدولية الراهنة، مؤكداً أن هذه الخطوة أصبحت ضرورة حتمية في ظل الأوضاع العالمية المتأزمة، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب دورًا جديدًا يركز على التنمية وحوار “جنوب–جنوب” بين الدول النامية، بما يسهم في تعزيز العدالة والسلام والاستقرار العالميين.
وقال العرابي: “لقد تحررنا من الاستعمار العسكري، لكن الموقف الدولي اليوم متأزم بشكل غير مسبوق، مع اتساع ظاهرة تغليب قوة السلاح على قوة القانون، وما ينتج عن ذلك من تهديدات للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعوب”، مشدداً على أن المنظمة قائمة على الشعوب وليس على الحكومات، وأن التكاتف الشعبي هو أداة القوة الحقيقية لمواجهة تحديات التنمية والاستقرار.
وأضاف أن ميزانيات الدفاع في العديد من دول العالم تتوغل على حساب حقوق الشعوب في حياة كريمة وفرص التنمية، مؤكداً على أهمية العمل الجماعي بين دول آسيا وأفريقيا، مع التطلع لتوسيع النشاط ليشمل دول أمريكا اللاتينية، بما يعزز أطر التضامن الدولي ويقوي أواصر التعاون بين الشعوب.
ولفت العرابي إلى الدعم المصري القوي للمنظمة، مشيراً إلى أن المنظمة تمثل إحدى أدوات القوة الناعمة لمصر، وأن مقرها في القاهرة يضم السكرتارية العامة واللجان القيادية بمشاركة ممثلين من العراق واليمن وروسيا ومصر، لتجسيد روح التضامن الحقيقي بين الدول والشعوب.
كما أعرب رئيس المنظمة عن رمزية القاعة التي تحمل اسم الأديب الراحل يوسف السباعي، أحد أبرز داعمي المنظمة تاريخيًا، مؤكداً أن وجود نخبة من المفكرين والدبلوماسيين يمثل إعلاناً عن انطلاقة جديدة للمنظمة تهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار والتعاون الشعبي العابر للقارات.
وأشاد العرابي بالدور التاريخي الذي لعبته روسيا منذ تأسيس المنظمة، مؤكداً استمرار الدعم والتعاون مع كافة الدول الأعضاء لتعزيز أهداف التضامن والتنمية والعدالة الدولية، بما يعكس التزام المجتمع الدولي بمبادئ الحوار والتعاون بين شعوب القارات.
كما القى الدكتور محمد إحسان، سكرتير عام المنظمة، كلمة رحب فيها بالحضور، مستعرضًا برنامج الاحتفاء ومحاوره، مؤكدًا على أهمية هذه الذكرى في تجديد العهد بالقيم التي تأسست من أجلها المنظمة، والتي تتمثل في التضامن بين شعوب أفريقيا وآسيا والدفاع عن حقوق الشعوب وتعزيز العدالة والسلم الدولي.
وقال الدكتور إحسان مخاطبًا الحضور:
“السلام عليكم، لكم من القاهرة، عاصمة السلام والتضامن الإنساني، تحياتي الخالصة من روح أفريقيا وآسيا، من ذاكرةٍ تعلمت باكرًا أن الاستقلال ليس حدثًا عابرًا، بل مسار طويل من الوعي والتنظيم والإصرار، وأن السلام ليس استراحة بين حربين، بل ممارسة دائمة للعدالة والأمان وكرامة الإنسان.”
وأضاف:
“في الذكرى السابعة والستين لتأسيس منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية، نتوجه باسم المنظمة، وبصوتها الجامع، بوافر الشكر والتقدير والعرفان إلى المؤسسين الأوائل الذين وضعوا الحجر الأساس لهذا المشروع الإنساني الكبير، وإلى كل الذين حملوا الراية من بعدهم: من الراحلين الذين غادروا وبقي أثرهم دليلاً، إلى الأحياء الذين يواصلون العمل بصبر ومسؤولية، وإلى جميع الشركاء والأصدقاء والحركات والشخصيات والمؤسسات التي أسهمت، بدرجات مختلفة، في هذا الجهد النبيل الذي أراد للتضامن أن يكون فكراً وثقافة وسلوكًا راقيًا.”
وأشار الدكتور إحسان إلى أن المنظمة وُلدت في لحظة عالمية مضطربة، حين كانت البشرية تخرج من الرماد إلى خرائط جديدة، وحين حاول الاستقطاب العالمي أن يحول الشعوب إلى هوامش في صراع الكبار، مؤكداً أن المنظمة منذ البداية اختارت الوقوف في صف الشعوب، والانحياز إلى حق تقرير المصير، وجعل التضامن بين الأمم سياسة واقعية تعمل على حماية مصالح الشعوب وتعزيز ثقافة الحوار.
وأضاف:
“اليوم، بعد ستة عقود، ما تزال أسباب القلق العالمي قائمة، بل أصبحت أكثر تعقيدًا: حروب تتسع، حصارات تُشرعن، فقر يُدار كأداة ضبط، وازدواجية معايير تقوض ما تبقى من ثقة بالنظام الدولي. ومع ذلك، فإن منظمتنا، وهي تستعيد تجربتها، تؤكد أن مهمتها لم تنته، بل تجددت: بناء شبكة تضامن دولي حقيقية، تتعامل مع السلام كاستثمار حضاري، ومع العدالة كشرط للاستقرار، ومع السيادة بوصفها حقاً لا منحة من الدول الكبرى.”
كما أكد الدكتور إحسان في كلمته على الدور التاريخي للمنظمة في ترسيخ فكرة أن التضامن بين الشعوب شرط ضروري للاستقرار السياسي والاجتماعي، واصفًا إرث المؤسسين بأنه بوصلة واضحة تقول: “إما تضامن يصنع الغد، أو عزلة تعيد إنتاج الخراب.”
وأشار إلى أن الجيل الحالي من العاملين في المنظمة يرفع شعار: (عالم جديد… دور جديد)، مؤكدًا أن المنظمة تعمل على تجديد أدوات العمل، وتوسيع الآفاق، وفتح قنوات عملية للتعاون بين قضايا شعوب الجنوب العالمي، من فلسطين إلى كل الشعوب المحاصرة والمستنزفة، لضمان حقها في التنمية والحرية والعيش الكريم.
واختتم الدكتور إحسان كلمته بالقول:
“إن منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية ستظل، كما أرادها مؤسسوها، مساحة للضمير الدولي، ومنصة للعمل المشترك، وقوة ناعمة حين يلزم، وقوة موقف حين يشتد الابتزاز. سنبقى مع الشعوب، لا فوقها؛ ومع العدالة، لا على هامشها؛ ومع السلام، لا كأمنٍ مسلّح، بل كحقٍ إنساني شامل. عاشت وحدة المصير بين شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وعاش التضامن طريقًا للحرية والاستقلال والسلام والتنمية.”
ومن جانبه القى سعادة السفير كلمة سفير روسيا في مصر جيورجي بوريسينكو الروسي، كلمة تناول فيها أهمية السلام في عالم مثقل بالتوترات، مشيداً بدور المنظمة في ترسيخ قيم الحوار والتواصل بين الشعوب، وبكونها جسراً مدنياً يسهم في تخفيف حدّة الاستقطاب وتعزيز فرص التفاهم.
أتقدم بجزيل الشكر والتقدير على الدعوة الكريمة للمشاركة في الاحتفال بالذكرى السابعة والستين لتأسيس هذه المنظمة العريقة. فمنذ نشأتها، اضطلع الاتحاد السوفيتي بدور محوري وفاعل في دعم أهدافها ومبادئها، انطلاقًا من إيمانه الراسخ بحق الشعوب في تقرير مصيرها ومناهضة كافة أشكال الاستعمار.
لقد قامت سياسة وثقافة الاتحاد السوفيتي تاريخيًا على دعم حركات التحرر الوطني، والمساهمة، بالتعاون مع المنظمة، في إضعاف البنى الاستعمارية التقليدية، بما أتاح المجال أمام العديد من الدول لنيل استقلالها وبناء دولها الوطنية. وفي هذا السياق، شهد التعاون بين الاتحاد السوفيتي والجمهورية العربية المتحدة (مصر) نموذجًا بارزًا للشراكة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث تحققت إنجازات مهمة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
ورغم ما تحقق من تقدم، فإن تطورات الساحة الدولية تؤكد أن الطريق ما زال طويلًا، وأن الحفاظ على التضامن والتكاتف بين لشعوب والدول المستقلة يظل أمرًا ضروريًا. فهناك اليوم أشكال جديدة من التحديات، لعل أبرزها ما يمكن وصفه بالاستعمار الاقتصادي، الذي تمارسه بعض الشركات العالمية، وهو ما يستدعي تعزيز التعاون الدولي من أجل تمكين دول إفريقيا وآسيا من استثمار مواردها الطبيعية والبشرية لصالح شعوبها.
وإنني أضم صوتي إلى الدعوات المطالِبة بترسيخ ثقافة التحرر والاستقلال، بما يضمن سيادة الشعوب وحقها في العيش بكرامة داخل دول مستقلة ذات قرار وطني حر. وتؤكد روسيا الاتحادية التزامها بمواصلة التعاون مع شعوب ودول العالم، دعمًا لاستقلالها وتنميتها، كما تجدد دعمها المستمر لهذه المنظمة، بما يمكّنها من الاضطلاع بدورها الحيوي على الساحة الدولية.
كما تحدث المهندس عبد الحكيم جمال عبد الناصر، مشيداً بالمنظمة وجهودها، ومقدماً الشكر للحضور وللمنظمة على الدعوة، مؤكداً أن قيمة أي مؤسسة لا تُقاس بعدد المناسبات، بل بما تتركه من أثر في الوعي العام وفي أخلاقيات العمل المشترك. وأوضح أنها فرصة عظيمة للتواجد في المنظمة، وأعرب عن شكره للسفير محمد العرابي وللمنظمة، معبراً عن سعادته بحضوره، وموضحاً أن تضامن الشعوب يختلف عن تضامن الحكومات، لأن الأخيرة لها أجندات خاصة، كما تطرق إلى أهمية تضامن الشعوب في ظل المتغيرات الدولية، مشيراً إلى ظهور حركة عدم الانحياز، ومهنئاً المنظمة بمناسبة ذكرى تأسيسها.
وتطرق الدكتور علي الدين هلال، وزير الشباب السابق، إلى الظروف التي نشأت فيها المنظمة، ودور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونج، ثم قدم عرضاً موجزاً لتاريخ المنظمة، مركزاً على مبادئ حركة عدم الانحياز ومؤكداً راهنيتها في مواجهة اختلالات النظام الدولي، مشيراً إلى أنها أول تجمع أفريقي آسيوي، وأن المؤتمر كان حدثاً فاصلاً في العلاقات الدولية، موضحاً أن حضور الدول لا يعني بالضرورة الاعتراف بها.
وأعقبت ذلك كلمة السيد عبد القادر شهيب، رئيس اللجنة المصرية، الذي تناول أهمية الدور الذي أداه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في تأسيس المنظمة وترسيخ مشروعها بوصفه خياراً استراتيجياً لتعزيز روابط التضامن بين شعوب الجنوب، متحدثاً عن فكرة التأسيس وأهميتها، حيث تولت اللجنة المصرية رئاسة المنظمة تحت الرئيس أنور السادات، كما أشار إلى تأثير أفكار عدد من القيادات الأفروآسيوية على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وتأثيره بدوره على القادة الآسيويين، مضيفاً أن العالم يشهد استقطاباً دولياً من جديد وحرباً تجارية عالمية، وأن الولايات المتحدة تشن حرباً اقتصادية على العالم بأسره، وهو ما يوحي بأهمية إحياء دور المنظمة، التي أصبحت الآن ضرورة لشعوب أفريقيا وآسيا والأفارقة وأمريكا اللاتينية.
من جانبه، أكد الدكتور عبد الحسين الهنداوي، مساعد الأمين العام للجامعة العربية، على أهمية تعزيز الحوار جنوب–جنوب وضرورة الانفتاح على أمريكا اللاتينية، مشدداً على أن القضايا التي تتبناها المنظمة توفر قاعدة لبناء شراكات أوسع، وتوسيع أطر التعاون والتواصل بين شعوب الجنوب بما يتوافق مع روح المنظمة ورسالتها. وأشار إلى أن فكرة التضامن مع الشعوب كانت فكرة عبقرية، موضحاً اندفاع الشعب الأرجنتيني مع قضايا الشعوب الأفريقية والآسيوية.
كما ركزت كلمة المجلس العراقي للسلم والتضامن، التي ألقاها الدكتور عامر حسن فياض، على أن النضال من أجل عالم متعدد الأقطاب، تُحترم فيه سيادة الدول، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية، ويُكفل فيه حق الشعوب في الاستقلال والحرية والتنمية، هو السبيل لإعادة التوازن إلى عالم مختل، يعاني من فقر واسع، وحقوق مسلوبة، وكرامة مهدورة، وحصارات لا تليق بالإنسانية.
وجاءت التحية من أرض الرافدين، سلالة الحضارات الأولى التي أسست، جنباً إلى جنب مع الحضارات الإنسانية الأخرى، للنظام والدولة والقانون والكتابة، وبقيت رغم العواصف تحمل نزعة راسخة نحو السلام والعدل والأمان. تحية من العراق، الذي يعرف أن الكرامة ليست شعاراً بل عقد اجتماعي، ومن بغداد السلام التي كلما ضاقت بها الحروب اتسع فيها الحلم، وكلما اشتد الظلام أضاءت في أهلها إنسانية لا تُقهر.
تحية صادقة لشعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولكل الأحرار في العالم الساعين إلى السلام العادل والكرامة الإنسانية.
تأسست منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية عقب الحرب العالمية الثانية، في سياق دولي اتسم بإعادة تشكيل النظام العالمي وبروز الحرب الباردة، الصراع الذي بلغ مستويات أعادت إلى الأذهان ويلات الحروب المدمرة. وفي هذا المنعطف التاريخي، جاءت المنظمة رديفاً موضوعياً وأخلاقياً لحركة عدم الانحياز ومجلس السلم العالمي، وأسهمت في الدفاع عن تطلعات الشعوب المحبة للحرية والسلام، والساعية إلى الاستقلال والسيادة بعيداً عن هيمنة المعسكرات المتصارعة.
ولا يكتمل الحديث عن نشأة المنظمة دون التوقف عند الدور الريادي للحركة الوطنية العراقية، التي كانت منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي جزءاً أصيلاً من المد التحرري العالمي، وشاركت بوعي سياسي مبكر في معارك الاستقلال ومناهضة الاستعمار وبناء الدولة الوطنية، جنباً إلى جنب مع لجنة التضامن المصرية. لقد أسهمت القوى الوطنية والديمقراطية العراقية من خلال حضورها الفاعل في المؤتمرات والمنتديات الدولية، ولا سيما فضاءات التضامن الأفريقي والآسيوي، في ترسيخ مبادئ السلم، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومقاومة كل أشكال الهيمنة والتمييز. وإذ نستحضر هذا الإرث النضالي، فإننا نستحضره كرصيد أخلاقي وسياسي متجدد، لا مجرد ذكرى تاريخية.
ومع انتهاء حقبة الحرب الباردة وتراجع دور حركة عدم الانحياز، حافظت المنظمة على حضورها وديمومتها، مستندة إلى أدوار جديدة فرضتها التحولات العالمية بعد مرحلة الاستعمار المباشر في مناطق واسعة، باستثناء الحالة الفلسطينية التي بقيت شاهداً على استمرار الاحتلال والاستعمار الاستيطاني. وقد وقفت المنظمة بوضوح إلى جانب الحق الفلسطيني، ودعمت نضال الشعوب ضد أشكال الهيمنة والضغط، ولا سيما بعد صعود القطبية الأحادية التي زعزعت أسس النظام الدولي.
واليوم، ونحن نستعيد ذكرى التأسيس، نجد أن القضايا الجوهرية التي شغلت شعوب العالم عند نشوء المنظمة لا تزال قائمة، بل ازدادت تعقيداً مع تصاعد الهيمنة الإمبريالية على النظام الدولي. فما زالت أسباب اندلاع الحروب حاضرة، وتهدد احتمالات غير محسوبة البشرية جمعاء.
في هذا السياق، تتنامى مظاهر التعصب والكراهية، ويتوسع الإرهاب الذي لم يعد ظاهرة معزولة، بل أصبح أداة سياسية تخدم مصالح قوى الهيمنة، ليصبح أحد أبرز المخاطر العالمية. كما أن التمركز الشديد لرأس المال المعولم يوسع الفجوة بين الشعوب، ويغذي الصراعات، ويزيد رقعة الفقر، لا سيما في بلدان الجنوب.
وفي المقابل، نشهد تراجع الالتزام بالقانون الدولي والدور المفترض للمؤسسات بعد الحرب العالمية الثانية، ما جعل مسألة الأمن تُدار أحياناً بذريعة “حقوق” مزيفة، وبمصالح تُستخدم لتبرير الهيمنة والسيطرة، بما فيها فرض الحصار الاقتصادي والسياسي كعقاب جماعي على الشعوب.
باتت سيادة الشعوب اليوم في مهب التدخلات الخارجية السافرة، التي تتنوع بين الضغط السياسي والاقتصادي، وزعزعة الاستقرار، ومحاولات إسقاط الأنظمة، والتهديد بالاستحواذ على الثروات الوطنية، كما شهدنا في فنزويلا وغيرها من دول العالم الثالث.
لقد كشف العدوان الصهيوني المستمر على غزة حجم الفاجعة الإنسانية والجريمة المركبة التي تُرتكب أمام أنظار العالم، وبمساندة أكبر قوة عسكرية في التاريخ، في مشهد يفضح ازدواجية المعايير ويقوض مصداقية المنظومة الدولية، ويضع الإنسانية أمام اختبار أخلاقي فادح.
وانطلاقاً من هذا الواقع، يؤكد المجلس العراقي للسلم والتضامن، امتداداً لإرث الحركة الوطنية العراقية، التزامه الكامل بدعم الدور المتجدد للمنظمة، والمساهمة في جهودها لبناء شبكة تضامن دولي حقيقية، قادرة على مواجهة تحديات المرحلة الراهنة، والدفاع عن سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض منطق القوة والهيمنة.
إن النضال من أجل عالم متعدد الأقطاب، تُحترم فيه سيادة الدول، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية، ويُكفل فيه حق الشعوب في الاستقلال والحرية والتنمية، هو الطريق لإعادة التوازن إلى عالم مختل يعاني فقر واسع، وحقوقاً مسلوبة، وكرامة مهدورة، وحصارات لا تليق بالإنسانية.
تحية للذكرى الستين لتأسيس منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية، وللقادة الذين فقدناهم: الشهيد يوسف السباعي، ومحمد مراد غالب، ونوري عبد الرزاق حسين، وللقيادة الجديدة التي رفعت شعار التجديد، أملاً في أفق نضالي دائم من أجل سلام عادل على قاعدة مناصرة حق الشعوب في الانعتاق من قيود الإمبريالية.
وتحية خاصة للشعب الفلسطيني في نضاله المشروع من أجل الحرية وتقرير المصير، وبناء دولته المستقلة، وإنهاء معاناة طويلة تواجه العالم بأسره بمسؤولياته الإنسانية والأخلاقية والتاريخية.
و تحدث الدكتور عادل المسلماني، نائب رئيس المنظمة، عن مستقبل المنظمة وتاريخها وأهمية ميلادها الجديد واحتضانها للزعامات، كما تناول الاستقطابات الدولية القائمة.
كما تحدث الدكتور جاسم الخلفي، نائب رئيس المنظمة، نيابة عن الأستاذ فخري كريم، رئيس لجنة السلم والتضامن العراقية، فقال:
يشرفني أن أتسلم هذه الشهادة التكريمية نيابة عن رفيق الدرب والصديق العزيز والقيادي اليساري البارز، الأستاذ فخري كريم.
ويطيب لي أن أتسلمها من أعرق منظمة تعنى بالتضامن والسلام بين الشعوب، شهادة يمنحها العارفون بمن نذروا أرواحهم لقيم الخير والإنسان.
ويسعدني أن أتقدم بخالص الشكر والامتنان لسيادتكم على هذه المبادرة الكريمة، وعلى لطفكم واهتمامكم الراقي.
وأستاذنكم أن أتحدث باختصار عن الأستاذ فخري كريم، ليس بوصفه مثقفًا وناشرًا فحسب، بل كصوت جعل من الثقافة جسراً للتضامن، ومن الكلمة مساحة للسلام العادل، ومن الوعي أداة للدفاع عن حقوق الشعوب في الكرامة والحرية.
إنه يمثل نموذج المثقف العضوي الذي حول الثقافة إلى بنية تحتية للتغيير، وإلى لغة مشتركة تقرب بين الناس بدل أن تفرقهم. بدأ مشروعه مبكرًا بتأسيس دار نشر في بغداد، ثم تعمقت رؤيته لاحقًا بإطلاق فكرة “النهج” كمنصة نقدية لتجديد الفكر وتوسيع أفق الأسئلة، وتثبيت معنى العدالة الاجتماعية بوصفها شرطًا للسلام، ومعنى الحرية بوصفها حقًا لا منّة.
ومن هذه التجربة، تبلور مشروع “المدى”، الذي جمع بين النشر والإعلام والفنون في مؤسسة مدنية تؤمن بأن الديمقراطية تبنى بالوعي، وأن السلام ليس هدنة بين نزاعين، بل عقد كرامة متبادل واحترام للتعدد، واعتراف بحق المختلف في أن يعيش آمناً وحراً.
وبعد عام 2003، عادت “المدى” للعمل في قلب المجال العام: صحيفة تكشف الفساد لأنه عدو مباشر للعدالة، ومعارض وكتب ومكتبات تعيد الاعتبار للقراءة لأن الجهل وقود العنف، ومبادرات ثقافية تدعم المبدعين لأن الإبداع هو الوجه الناعم لحرية الشعوب. وفي كل ذلك ظل منحازًا للحراك المدني وحقوق الإنسان، مدافعًا عن حرية الكلمة، مؤمنًا بأن الثقافة مقاومة يومية ضد الطائفية والتطرف وتجارة اليأس، حتى وهو يواجه المخاطر ومحاولات الاغتيال والتشويه.
ولا أريد أن أطيل عليكم. فالأستاذ فخري كريم شخصية عراقية ذات امتداد عربي ودولي، ارتبطت بصداقات ومشاريع عمل مع مثقفين وشخصيات تنويرية وإنسانية، وجعلت من التواصل بين الشعوب قيمة عملية لا شعارًا، ومن التضامن ممارسة تساند المظلوم وتدافع عن حقه في الحياة والكرامة.
سيرته طويلة، لكنها في جوهرها ليست سيرة فرد فحسب، بل سيرة مشروع: أن يبقى السلام مرتبطًا بالعدالة، وأن تبقى العدالة مرتبطة بحقوق الناس، وأن تبقى الكرامة عنوانًا لا يقبل المساومة.
وفي ختام البرنامج، جرت فقرة التكريم، حيث جرى توزيع شهادات تقدير على عائلة الرئيس جمال عبد الناصر، وعائلة الأستاذ نوري عبد الرزاق، وعائلة الأستاذ يوسف السباعي، وعائلة السفير مراد غالب، وعائلة الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي، إلى جانب تكريم الأستاذ فخري كريم، والدكتور حلمي الحديدي، والأستاذ عبد القادر شهيب.
وقد جاءت فقرة التكريم بوصفها تحية لرموز أسهمت، كلٌ من موقعه، في ترسيخ فكرة أن التضامن بين الشعوب ليس ترفاً أخلاقياً، بل شرط نجاة سياسي واجتماعي. وأن السلام ليس شعاراً للمناسبات، بل عدالة يومية، خبزاً لا يُصادر، وكرامة لا تُساوم، وحقاً لا يُؤجَّل. فاليَد التي تصافح الشعوب أقوى من القبضة التي تُرهبها، واختلاف اللغات لا يلغي وحدة المصير. وبقيت الرسالة الأوضح التي حملتها المناسبة، إما تضامن يصنع الغد، أو عزلة تُعيد إنتاج الخراب







