إنقاذ كنوز التراث الأرمني من مزاد باريس.. مبادرة ثقافية تعيد إحياء مخطوطات نادرة للأجيال القادمة

مجموعة تاريخية من الكتب والمخطوطات تنتقل إلى مؤسسة كيرون في خطوة تعزز حفظ الهوية ودعم البحث العلمي
احمد دياب
في خطوة ثقافية بارزة تعكس تنامي الاهتمام العالمي بحماية التراث الإنساني، تم شراء مجموعة نادرة من الكتب والمخطوطات الأرمنية خلال مزاد أُقيم في باريس، والتي كانت تعود إلى مكتبة صامويليان الشرقية، أحد أبرز المراكز الثقافية الأرمنية في أوروبا، قبل أن يتم التبرع بها إلى مؤسسة كيرون للتنمية، في مبادرة تهدف إلى صون هذا الإرث التاريخي وإتاحته للأجيال المقبلة.
وتضم المجموعة المقتناة 18 قطعة نادرة، تشمل 13 كتابًا مطبوعًا تعود إلى الفترة ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، إلى جانب 5 مخطوطات فريدة تحمل قيمة دينية وعلمية كبيرة. وتعكس هذه المقتنيات جانبًا مهمًا من التاريخ الفكري والروحي للأرمن، حيث تضم نصوصًا دينية وكتبًا طقسية تعرف باسم “Mashtots”، إلى جانب مخطوطات تتناول الطب الأرمني التقليدي، وهو ما يمنحها بعدًا معرفيًا متعدد التخصصات.
وتبرز ضمن هذه المجموعة عدد من الأعمال التاريخية المهمة، من بينها كتاب “أرمينيا – البندقية أو علاقات الأرمن والبندقيين” للمؤرخ غيفوند أليشان، والذي نُشر في البندقية عام 1896، إضافة إلى كتاب “تاريخ الهجرة الأرمنية إلى ليفورنو” للباحث ميسروب فاردابيت أوغورليان الصادر في فيينا عام 1891، فضلًا عن كتاب “داتاستاناغيرك” للفقيه مخيتار غوش، الذي يُعد من أبرز المؤلفات القانونية في التراث الأرمني.
ولا تقتصر أهمية المجموعة على هذه الأعمال، بل تمتد لتشمل نسخة نادرة من الكتاب المقدس تعود إلى عام 1733، وطبعات متعددة من كتاب “ناريك: كتاب الصلوات”، الذي يمثل أحد أهم النصوص الروحية في الكنيسة الأرمنية، بالإضافة إلى تقويم طقسي بعنوان “توناتسويتس” يعود إلى عام 1782، ونسخة من الإنجيل طُبعت عام 1805، وهي جميعها تعكس عمق الممارسات الدينية وتطور الطقوس عبر التاريخ الأرمني.
وتحمل هذه المجموعة قيمة ثقافية وعلمية استثنائية، إذ تسلط الضوء على التفاعل الحضاري والديني للأرمن مع محيطهم، كما توثق ملامح من تطور الفكر والهوية الثقافية عبر قرون طويلة، وهو ما يجعلها مصدرًا مهمًا للباحثين في مجالات التاريخ والدراسات الدينية والإنسانية.
وتعود أصول هذه الكنوز إلى مكتبة صامويليان الشرقية، التي تأسست عام 1930 في الحي اللاتيني بالعاصمة الفرنسية باريس على يد الصحفي والمستشرق هرانت صموئيل، والذي نجح في تحويلها إلى مركز ثقافي أرمني بارز احتضن آلاف الكتب والمخطوطات النادرة، لتصبح واحدة من أهم المكتبات الأرمنية خارج أرمينيا.
وقد اعتمد صموئيل في بناء مجموعته على اقتناء أرشيفات قيمة، من بينها مكتبة جامع كتب أرمني من إسطنبول، ما أسهم في تكوين رصيد معرفي ضخم يعكس ثراء التراث الأرمني وتنوعه. وبعد وفاته عام 1977، واصلت المكتبة أداء دورها الثقافي تحت إدارة أبنائه أرمين صموئيل وأليس أسلانيان، قبل أن تغلق أبوابها نهائيًا في عام 2016، لتبدأ بعدها مقتنياتها رحلة جديدة عبر المزادات.
وتأتي هذه المبادرة في إطار جهود متزايدة للحفاظ على التراث الثقافي المهدد بالاندثار، حيث يُتوقع أن تعمل مؤسسة كيرون للتنمية على ترميم هذه المخطوطات وصيانتها، إلى جانب رقمنتها وإتاحتها للباحثين، بما يضمن استمرارية الاستفادة منها في الأوساط الأكاديمية والثقافية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز أهمية مثل هذه المبادرات التي لا تقتصر على إنقاذ مقتنيات نادرة، بل تسهم في حماية الهوية الثقافية وتعزيز الوعي بالتاريخ، باعتبار أن المخطوطات والكتب القديمة تمثل ذاكرة حية للشعوب، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر، ويؤسس لمستقبل أكثر وعيًا بجذوره الحضارية.







