حسن جمال.. مواجهة الحقيقة بحثًا عن العدالة

حين يصدر الاعتراف من أصحابه، لا يعود مجرد موقف عابر، بل يتحول إلى خطوة حقيقية على طريق العدالة، وإلى مدخل لسلام لا يقوم على الإنكار، بل على مواجهة الحقيقة كما هي. فمراجعة الذات تتطلب شجاعة نادرة، وقدرة صادقة على تسمية الأشياء بأسمائها دون تزييف أو مواربة.
في هذا السياق، يقدّم Hasan Cemal، الصحفي التركي وحفيد جمال باشا، أحد أبرز المسؤولين عن الإبادة الأرمنية، تجربة فريدة في كتابه الذي يتجاوز كونه دراسة تاريخية تقليدية، ليصبح رحلة إنسانية عميقة في مواجهة الماضي، يخوضها كفرد يسعى للتصالح مع إرث ثقيل.
ويطرح جمال في مقدمة كتابه سؤالًا صريحًا: هل يمكنه أن يعيش دون مواجهة تاريخ عائلته وبلاده؟ ويتساءل بقلق إن كان ما يكتبه سيُفهم بوصفه صدقًا أم يُفسَّر كنوع من “استعراض البطولة”. غير أن مسار تجربته تغيّر بشكل جذري، خاصة بعد تأثره باغتيال Hrant Dink، وزياراته المتكررة إلى يريفان، حيث وقف أمام نصب الإبادة الجماعية، واضعًا الزهور في محاولة صادقة لاستشعار الألم الأرمني ومشاركته.
ويصف تلك اللحظة، تحت ظل جبل أرارات، باعتبارها نقطة تحول داخلية عميقة، أدرك خلالها أن “التاريخ لا يمكن تغييره، لكن يجب مواجهته”. ومن هذا الإدراك، يتحول الكتاب إلى مساحة نقد ذاتي جريء، يراجع فيها مواقفه السياسية السابقة، ويكشف كيف تبدّل فهمه لأحداث عام 1915 مع مرور الوقت.
ويرى جمال أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الماضي، بل في “تاريخ مُشوّه” ما زال يلقي بظلاله على الحاضر، مؤكدًا أن السلام والديمقراطية لا يمكن أن يتحققا دون الاعتراف بالحقيقة والتصالح معها، مهما بلغت قسوتها.
ويمثل الكتاب، في مجمله، رحلة بحث عن “تاريخ مفقود”، وشهادة إنسانية تؤكد أن مواجهة الحقيقة ليست خيارًا، بل ضرورة لا مفر منها.

وفي مقدمة كتابه، يكتب جمال:
جلستُ أمام الحاسوب
لأكتب هذا الكتاب،
وقلتُ لنفسي: أظنّ
أني لا أستطيع في حياتي
أن أعيش
دون مواجهة
الماضي.
مشاعر غريبة،
وعلامات استفهام
تداعت في ذهني.
هل يُمكن اعتبار كتابة مثل هذا الكتاب “انتهازية”
أو “تظاهرًا بالبطولة” من جانبي؟
هل يُمكن أن يظنّ بعض الناس هذا
عني؟
أو عن حضوري في أروقة “أغوس”
كل عام في تواريخ محددة
بتعابير جادة،
ومشاركتي في مراسم إحياء الذكرى،
ومسيرات إحياء ذكرى هرانت دينك
في التاسع عشر من يناير؟
هل سيرغب الأرمن في مشاركة آلامهم مع “حفيد جمال باشا”؟
لم أكن متأكدًا.
لكنني تذكرت فجر ذلك الصباح
عندما أشرقت شمس يريفان،
ملونة السماء باللون القرمزي
وسط الضباب.
بينما كنت أضع زهور القرنفل البيضاء
بجوار النصب التذكاري للإبادة الجماعية الأرمنية،
همست لنفسي:
“عزيزي هرانت، لقد قادتني معاناتك إلى هنا؛
أحاول أن أشعر بمعاناتك
ومعاناة أسلافك في قلبي،
وأشاركها معهم.
ارقد بسلام يا أخي.”
لا أستطيع نسيان ذلك الصباح في يريفان في سبتمبر 2008،
حين كانت قمة جبل أرارات الشامخة
تظهر وتختفي مع بزوغ الفجر.
“يد التاريخ”، كتبت حينها،
“ترشد من يريد أن يرى الطريق الصحيح.”
وفي استدعاء للتاريخ، يشير جمال إلى مذبحة أمريتسار عام 1919،
وإلى اعتذار الملكة Elizabeth II عام 1997،
التي قالت: “التاريخ لا يمكن تغييره”.
ويعلّق:
بالطبع لا يمكننا تغيير التاريخ،
لكن يقع على عاتقنا مواجهته.
كيف يمكننا التقدم نحو المستقبل
دون مواجهة الحقائق المرّة للماضي؟
لا يمكننا الصمت أمام المعاناة،
ولا السماح للماضي بأن يهيمن على الحاضر.
ويؤكد أن ألم عام 1915 ليس من الماضي، بل من الحاضر،
وأن السلام الحقيقي والديمقراطية
لا يمكن أن يتحققا إلا عبر مواجهة صادقة للتاريخ،
لا “تاريخًا مُختلقًا” أو مشوّهًا،
بل التاريخ كما هو.
ويختتم مستشهدًا بقول الكاتب Paul Auster:
“تحدث الآن قبل فوات الأوان…”
ثم يقول:
وجلستُ،
وبدأت كتابة كتابي،
باحثًا عن “تاريخنا المفقود”.
حسن جمال
إسطنبول – 25 فبراير 2012.







