طفرة في تأمينات الطاقة عالميًا.. الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة يقودان التغيير

احمد دياب
يشهد سوق التأمين على الطاقة في الوقت الراهن تحولًا جذريًا غير مسبوق يعيد رسم ملامح الصناعة، ففي ظل الأزمة العالمية الناتجة عن المخاطر الجيوسياسية، أعادت التوترات المتصاعدة تشكيل خريطة أمن الطاقة العالمي بشكل عميق، لينتقل من مرحلة الاستقرار النسبي والأسواق الحرة إلى ساحة صراع جيوسياسي يؤثر بشكل مباشر على أمن الإمدادات واستقرار الأسواق.
وفي هذا السياق، تتسارع وتيرة التحول العالمي في قطاع الطاقة بوتيرة غير مسبوقة، حيث تسعى الدول والشركات إلى تقليل الاعتماد على المصادر التقليدية باعتبار ذلك ضرورة استراتيجية في ظل الأوضاع الراهنة، وذلك من خلال التوسع في مشروعات البنية التحتية للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وشبكات الطاقة الذكية، وهي جميعها تمثل تحديات متنامية لصناعة التأمين. كما برزت مخاطر جديدة على رأسها المخاطر السيبرانية التي تستهدف أنظمة التحكم في محطات الطاقة. وأصبحت الطاقة المتجددة اليوم قادرة على منافسة الوقود الأحفوري في العديد من المناطق، حيث تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن أكثر من 90% من مشروعات الطاقة المتجددة الجديدة منذ عام 2024 أصبحت أقل تكلفة من بدائل الوقود الأحفوري، بينما يظل النفط عنصرًا أساسيًا في صناعات متعددة مثل الأسمدة والبلاستيك، ما يجعل التأثير ممتدًا على معظم الدول، في حين تتمتع الدول المعتمدة على الطاقة المتجددة بمرونة أكبر لاعتمادها على موارد محلية مثل الشمس والرياح.
وفي ظل هذا التحول في أنظمة الطاقة العالمية، يبرز الدور المحوري لقطاع التأمين في دعم هذا التحول وإدارة مخاطره، فمع الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة منخفضة الانبعاثات، يشهد السوق نموًا متسارعًا مدفوعًا بزيادة الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة، خاصة في الاقتصادات الناشئة، مع فتح آفاق جديدة لشركات التأمين لتطوير تغطيات متخصصة تتناسب مع المخاطر المستحدثة.
ويُقدر حجم سوق التأمين العالمي للطاقة والكهرباء بنحو 11.66 مليار دولار في عام 2026، على أن يصل إلى 23.33 مليار دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8%. وتستحوذ أوروبا على حصة تتراوح بين 35% و40% من السوق بفضل التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، تليها أمريكا الشمالية بحصة تتراوح بين 30% و34%. ويعكس هذا النمو المتسارع الطلب المتزايد على منتجات تأمينية قادرة على مواكبة التحول في قطاع الطاقة، خاصة في مشروعات الهيدروجين الأخضر والبنية التحتية الحديثة.
وتشير اتجاهات السوق إلى توسع واضح في حلول إدارة المخاطر، خاصة في مجالات التأمين ضد المخاطر السيبرانية والبيئية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية وتحليل البيانات لتحسين دقة الاكتتاب وإدارة المطالبات، مع الاتجاه إلى نماذج حديثة مثل التأمين البارامتري والتأمين القائم على الاستخدام. ويأتي هذا التحول مدفوعًا بزيادة الاستثمارات في الطاقة النظيفة والتطور التكنولوجي، إلى جانب السياسات الحكومية الداعمة لهذا التوجه، رغم التحديات المتمثلة في التضخم والمخاطر الجيوسياسية وندرة البيانات التاريخية وارتفاع حدة الكوارث الطبيعية، وهو ما يدفع شركات التأمين إلى تشديد شروط التغطية ورفع الأقساط.
ويعد تأمين مخاطر الطاقة أحد أهم الأدوات المتخصصة في هذا القطاع، حيث صُمم لحماية شركات الطاقة من المخاطر الجوهرية المرتبطة بأنشطتها، ويشمل أنواعًا متعددة من التغطيات مثل تأمين جميع أخطار المقاولين وأخطار التركيب وتأمين الممتلكات والمسؤولية وتأمين انقطاع الأعمال وتأمين الأعطال الميكانيكية. وتغطي هذه المنتجات مخاطر متنوعة تبدأ من الأضرار المادية خلال مراحل الإنشاء والتشغيل، مرورًا بالمخاطر البيئية والتشغيلية، وصولًا إلى الخسائر الناتجة عن توقف الإنتاج أو الأعطال المفاجئة في المعدات الحيوية.
وفي المقابل، يواجه قطاع الطاقة مجموعة واسعة من التحديات، تشمل مخاطر السوق المرتبطة بتقلبات الأسعار والتطورات الجيوسياسية، والمخاطر التشغيلية الناتجة عن أعطال المعدات وسلاسل الإنتاج، والمخاطر التنظيمية المرتبطة بالامتثال للقوانين البيئية ومعايير السلامة، فضلًا عن المخاطر البيئية الناتجة عن الضغوط العالمية نحو الاستدامة، والمخاطر الجيوسياسية التي تؤثر على سلاسل الإمداد، إضافة إلى المخاطر التكنولوجية المرتبطة بالأمن السيبراني وحماية البيانات.
وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن مستقبل سوق تأمين الطاقة يحمل فرصًا واعدة للنمو، خاصة مع التوسع العالمي في مشروعات مزارع الرياح ومحطات الطاقة الشمسية ومشروعات الهيدروجين الأخضر، ما يتطلب تطوير منتجات تأمينية متخصصة قادرة على التعامل مع مخاطر مثل تقلبات الطقس والأعطال التقنية والأضرار البحرية. كما يتجه القطاع نحو دمج التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات والتنبؤ بالمخاطر، وتقنية البلوك تشين لتعزيز الشفافية، والتأمين البارامتري لتوفير تعويضات فورية عند تحقق شروط محددة مسبقًا. ولضمان النمو المستدام، تحتاج شركات التأمين إلى تسريع التحول الرقمي، وتطوير منتجات متخصصة، وبناء شراكات استراتيجية مع شركات التكنولوجيا والطاقة، وتبني نماذج مرنة لإدارة المخاطر قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية والتنظيمية.
وفي هذا السياق، يؤكد اتحاد شركات التأمين المصرية أن التطورات المتسارعة في قطاع الطاقة تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز دور سوق التأمين في دعم التنمية المستدامة، خاصة مع التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة. ويشدد الاتحاد على أهمية تطوير القدرات الفنية لشركات التأمين، وتصميم منتجات متخصصة تتماشى مع طبيعة مشروعات الطاقة الحديثة، والاستفادة من التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تقييم وتسعير المخاطر، إلى جانب تعزيز التعاون مع قطاع الطاقة ومتابعة أفضل الممارسات العالمية، بما يسهم في دعم استقرار الأسواق وتحفيز الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
وفي ضوء ذلك، يرى الاتحاد أن تصاعد المخاطر وتعقدها لا يمثل فقط تحديًا، بل يفتح أيضًا آفاقًا جديدة أمام سوق التأمين المصري لتعزيز دوره في حماية مشروعات الطاقة والمساهمة في التحول نحو الاقتصاد الأخضر، مع التأكيد على أن جميع الآراء الواردة في الدراسات والنشرات لا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد، باستثناء ما يرد تحت عنوان “رأي الاتحاد فقط”.







