من تحت الأنقاض إلى بوابة أرمينيا.. رحلة جداريات ميناس أفيديسيان

احمد دياب
ليست كل الأعمال الفنية مجرد ألوان مرسومة على جدار، فبعضها يتحول مع الزمن إلى ذاكرة شعب، وإلى شاهد صامت على ما مر به وطن من أفراح وآلام وانتصارات وانكسارات. وفي أرمينيا، تروي جداريات الفنان الكبير ميناس أفيديسيان واحدة من أكثر القصص إلهاماً في تاريخ الفن الحديث، قصة بدأت في قلب مدينة صناعية هادئة، ومرت عبر كارثة مدمرة هزت البلاد، قبل أن تنتهي في المكان الذي يلتقي فيه العالم بأرمينيا للمرة الأولى: مطار زفارتنوتس الدولي في يريفان.
هناك، وبين حركة الطائرات والمسافرين القادمين من مختلف بقاع الأرض، تقف جداريات ميناس أفيديسيان شامخة وكأنها حارس ثقافي يستقبل الزائرين قبل أن يتعرفوا على شوارع العاصمة أو جبال أرمينيا أو كنائسها العريقة. إنها أول رسالة بصرية تقدمها البلاد لضيوفها، رسالة تقول إن الفن في أرمينيا ليس مجرد نشاط ثقافي، بل جزء أصيل من هوية وطن حافظ على روحه رغم كل ما مر به من تحديات.
عندما أبدع الفنان الأرمني البارز ميناس أفيديسيان هذه الجداريات في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن يتوقع أحد أن تتحول أعماله بعد عقود إلى رمز للصمود الثقافي. فقد رسمها داخل مصنع الهندسة الكهربائية بمدينة غيومري، المدينة التي لطالما كانت واحدة من أهم المراكز الثقافية والفنية في أرمينيا.
في تلك السنوات، كانت الجداريات جزءاً من المشهد اليومي للمصنع. العمال يمرون أمامها كل صباح، والآلات تدور بالقرب منها، والحياة تمضي بصورة طبيعية. لكن القدر كان يخبئ لهذه الأعمال الفنية رحلة مختلفة تماماً عن كل ما كان متوقعاً.
ففي السابع من ديسمبر عام 1988، تعرضت أرمينيا لواحد من أكثر الزلازل تدميراً في تاريخها الحديث. خلال ثوانٍ معدودة تغيرت ملامح مدن بأكملها، وتحولت آلاف المباني إلى أنقاض، وفقد عشرات الآلاف حياتهم في كارثة ما زالت محفورة في الذاكرة الوطنية للأرمن حتى اليوم.
وكانت مدينة غيومري من أكثر المناطق التي دفعت الثمن. فالمباني انهارت، والمنشآت تضررت بشدة، ولم ينجُ مصنع الهندسة الكهربائية من آثار الزلزال المدمر. ومع تضرر المبنى بصورة كبيرة، أصبحت الجداريات التي يحتضنها مهددة بالاختفاء إلى الأبد.

لم تكن الخسارة المحتملة تتعلق بأعمال فنية فحسب، بل بجزء من تاريخ أرمينيا الثقافي. فميناس أفيديسيان لم يكن رساماً عادياً، بل أحد أبرز رواد الفن الأرمني الحديث، وصاحب تجربة فنية تركت أثراً عميقاً في وجدان المجتمع الأرمني.
ومع مرور السنوات، ظل مصير الجداريات معلقاً بين الأمل والخوف. كانت تتعرض لعوامل الزمن، فيما يزداد القلق من ضياعها نهائياً إذا لم يتم التدخل لإنقاذها. لكن ما بدا مستحيلاً في يوم من الأيام تحول لاحقاً إلى مشروع ثقافي طموح أعاد لهذه الأعمال حياتها من جديد.
فبين عامي 2010 و2011، بدأت عملية ترميم دقيقة شارك فيها خبراء ومتخصصون من أرمينيا وإيطاليا. ولم تكن المهمة سهلة، إذ تطلب الأمر جهداً هندسياً وفنياً استثنائياً لإنقاذ الجداريات من وضع شديد التعقيد.
عمل المرممون على إعادة تثبيت الأجزاء المتضررة ومعالجة آثار الزمن والزلزال، مع الحرص على الحفاظ على روح العمل الأصلي وتفاصيله الفنية الدقيقة. وبعد شهور طويلة من العمل المتواصل، نجحت المهمة التي اعتبرها كثيرون انتصاراً حقيقياً للثقافة على النسيان.
لكن المفاجأة لم تكن في الترميم وحده، بل في المكان الذي اختير ليكون موطن هذه الأعمال بعد إنقاذها. فقد تقرر نقل الجداريات إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة يريفان بالتزامن مع افتتاح المبنى الجديد للمطار.
كان القرار يحمل بعداً رمزياً عميقاً. فبدلاً من إخفاء الأعمال داخل متحف مغلق أو قاعة خاصة لا يراها سوى عدد محدود من الزوار، أرادت أرمينيا أن تجعلها في واجهة البلاد أمام العالم كله.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الجداريات جزءاً من التجربة الأولى لكل من يصل إلى أرمينيا. فقبل ختم جواز السفر أو التقاط الصور التذكارية أو زيارة المعالم السياحية، يجد المسافر نفسه أمام قصة فنية تختصر تاريخاً كاملاً من الإبداع والإصرار.
وتعد جدارية «غزل الخيط» (Spinning a Thread) أشهر هذه الأعمال وأكثرها حضوراً. فبأبعادها التي تبلغ نحو 13.5 متراً طولاً و4 أمتار ارتفاعاً، تبدو كأنها نافذة مفتوحة على الروح الأرمنية، بما تحمله من رموز مرتبطة بالحياة والعمل والتراث الشعبي.
أما جدارية «أحجار الطحن» (Millstones)، التي تبلغ أبعادها نحو 5.7 متر طولاً و3 أمتار ارتفاعاً، فتشكل هي الأخرى جزءاً مهماً من هذا الإرث الفني، وقد خصصت للمنطقة الرئاسية داخل المطار، لتواصل أداء دورها بوصفها شاهداً على عبقرية صاحبها.
ورغم أن عملية الإنقاذ الكبرى انتهت قبل سنوات، فإن العناية بهذه الأعمال لم تتوقف. ففي عام 2025 خضعت الجداريات لأعمال ترميم وتدعيم إضافية هدفت إلى ضمان بقائها في أفضل حالة ممكنة لعقود مقبلة.
وتعكس هذه الجهود المتواصلة مدى اهتمام أرمينيا بالحفاظ على تراثها الثقافي. فالدول التي تحترم تاريخها تدرك أن الفن ليس مجرد إرث من الماضي، بل استثمار للمستقبل، وجسر يربط الأجيال الجديدة بجذورها وهويتها.
اليوم، وبعد ما يقرب من خمسة عشر عاماً على انتقالها إلى مطار زفارتنوتس، ما زالت هذه الجداريات تستقبل الزوار من مختلف أنحاء العالم. ملايين العيون مرت أمامها، وملايين الصور التقطت لها، لكنها ما زالت تحتفظ بالسحر ذاته الذي جعلها ذات يوم جزءاً من المشهد الثقافي في مدينة غيومري.
إنها قصة تتجاوز حدود الفن نفسه. قصة عن الذاكرة حين ترفض أن تموت، وعن الجمال حين ينجو من الركام، وعن شعب آمن بأن تراثه يستحق الإنقاذ مهما كانت التحديات.
ولهذا، فإن جداريات ميناس أفيديسيان ليست مجرد أعمال فنية معلقة على جدران مطار دولي، بل صفحات نابضة من تاريخ أرمينيا الحديث، تحكي لكل زائر أن الفن قد يتعرض للخطر، لكنه قادر دائماً على العودة إلى الحياة، وأن الإبداع الحقيقي لا تهزمه الكوارث، بل يخرج منها أكثر قوة وحضوراً وخلوداً.







