وداع مؤثر من سفير روسيا بعد خمس سنوات من الشراكة الإستراتيجية

احمد دياب
في لحظة حملت كثيرًا من الامتنان والدفء الإنساني، وجّه سفير روسيا الاتحادية لدى جمهورية مصر العربية جيورجي بوريسينكو رسالة وداع مؤثرة إلى الشعب المصري، مع انتهاء فترة عمله التي امتدت لأكثر من خمس سنوات ونصف، مثمّنًا خلالها عمق العلاقات التاريخية بين القاهرة وموسكو، ومؤكدًا أن مصر ستبقى في قلبه «القديمة ودائمًا الفتية».
سنوات من العمل الدبلوماسي المثمر
منذ توليه مهام منصبه سفيرًا لروسيا في القاهرة، عمل بوريسينكو على تعزيز مسارات التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، مستندًا إلى إرث طويل من العلاقات الودية التي تعود لعقود. وأكد في كلمته أن ما لمسه في مصر لم يكن مجرد تعاون رسمي، بل «موقف لطيف ذو حفاوة كبيرة» يعكس طبيعة العلاقة الخاصة بين الشعبين.
وأشار إلى أن الشراكة بين البلدين قامت على أسس راسخة من التعاون في السياسة الخارجية، والشؤون العسكرية، والاقتصاد، والثقافة، والعلم، والتعليم، وغيرها من المجالات التي تشكل ركيزة العلاقات الإستراتيجية بين الدولتين.
تقدير للقيادة المصرية ودعم الشراكة الإستراتيجية
وأعرب السفير الروسي عن تقديره العميق للقيادة المصرية، وعلى رأسها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيدًا بالاهتمام الدائم الذي توليه الدولة المصرية لتطوير الشراكة الإستراتيجية مع روسيا الاتحادية.
كما وجّه الشكر إلى وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج بدر عبد العاطي، وإلى الدبلوماسيين المصريين، واصفًا إياهم بـ«مجموعة من المحترفين الذين يعملون كثيرًا من أجل تعميق علاقاتنا والتفاهم بيننا».
هذا التنسيق، بحسب كلمته، لم يقتصر على وزارة الخارجية فحسب، بل شمل مختلف مؤسسات الدولة المصرية، ما أسهم في تعزيز التعاون الثنائي على نحو ملموس خلال السنوات الماضية.
«بريكس» محطة جديدة في مسار التعاون
ومن بين النقاط التي توقف عندها السفير الروسي، انضمام مصر إلى تكتل بريكس، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل إضافة مهمة لمسار العلاقات المصرية الروسية، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي والتنموي في إطار متعدد الأطراف يعكس التحولات الجارية في النظام الدولي.
وأكد أن التنسيق بين القاهرة وموسكو داخل هذا الإطار يعزز من فرص التعاون في مجالات الاستثمار، والطاقة، والتجارة، والتنمية المستدامة، ويمنح العلاقات الثنائية بعدًا إستراتيجيًا أوسع.
مجتمع الصداقة.. جسر شعبي موازٍ للدبلوماسية
ولم يغفل بوريسينكو في رسالته الإشادة بدور مجتمع الصداقة بين مصر وروسيا، الذي يسهم – بحسب تعبيره – في توسيع الاتصالات بين البلدين على المستويين الثقافي والشعبي، مؤكدًا أن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط عبر القنوات الرسمية، بل عبر التواصل الإنساني والتقارب الثقافي أيضًا.
كما عبّر عن تقديره للضيافة المصرية واهتمام الشعب المصري بتاريخ وثقافة روسيا، مشيرًا إلى وجود «تشابه أو تطابق كامل» في مواقف البلدين إزاء كثير من القضايا المطروحة على الساحة الدولية، وهو ما يعكس مستوى التفاهم السياسي بين القيادتين.
علاقات ممتدة منذ عقود
العلاقات المصرية الروسية ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى منتصف القرن العشرين، حين شهدت القاهرة وموسكو تعاونًا واسعًا في مجالات الصناعة والبنية التحتية والدفاع والتعليم. وعلى مدار السنوات، شهدت العلاقات فترات مد وجزر، لكنها استعادت زخمها بقوة في العقد الأخير، مع تبادل الزيارات رفيعة المستوى وتوقيع اتفاقيات إستراتيجية في مجالات الطاقة النووية والصناعة والسياحة.
وخلال فترة عمل السفير بوريسينكو، واصل البلدان العمل على ترسيخ هذه الشراكة، سواء عبر التنسيق السياسي أو عبر المشاريع الاقتصادية الكبرى، ما جعل السنوات الخمس الماضية مرحلة مهمة في مسار العلاقات الثنائية.
رسالة إنسانية قبل أن تكون دبلوماسية
اللافت في كلمة السفير الروسي أنها لم تقتصر على العبارات البروتوكولية المعتادة، بل حملت طابعًا إنسانيًا واضحًا. فقد تحدث عن شعوره بالتقدير العميق لمصر قيادةً وشعبًا، مؤكدًا أنه سيحفظ صورة «مصر القديمة ودائمًا الفتية» في قلبه.
واختتم رسالته بتمنياته بأن تظل مصر مزدهرة، وأن تتعزز العلاقات الروسية المصرية في المستقبل، في إشارة إلى ثقته باستمرار الشراكة بين البلدين رغم انتهاء مهمته الدبلوماسية.
مرحلة تنتهي.. وشراكة مستمرة
برحيل السفير جيورجي بوريسينكو عن القاهرة، تُطوى صفحة دبلوماسية مهمة، لكنها لا تعني نهاية مسار، بل استمرارًا لشراكة استراتيجية رسختها السنوات الماضية. فالعلاقات بين مصر وروسيا باتت تقوم على مصالح متبادلة ورؤية مشتركة للعديد من القضايا الإقليمية والدولية.
وإذا كانت الكلمات الختامية للسفير تعكس مشاعر شخصية صادقة، فإنها في الوقت نفسه تؤكد حقيقة سياسية واضحة: أن جسور التواصل بين القاهرة وموسكو أصبحت أمتن من أن تتأثر بتغيير الأشخاص، وأن المستقبل يحمل مزيدًا من التعاون بين البلدين الصديقين.







