أرشيفات عثمانية تكشف اقتصاد المصادرة في بدايات الجمهورية

في تطور بحثي أثار اهتمام الأوساط الأكاديمية الدولية، أعلن المؤرخ التركي البارز تانر أكشام عن استكمال مرحلة رئيسية ضمن مشروع أرشيفي ضخم يوثق عمليات بيع ومزادات الممتلكات الأرمنية المصادرة في السنوات الأولى من تأسيس الجمهورية التركية، مستندًا إلى مواد أصلية محفوظة داخل أرشيفات وصحف تركية تعود إلى الفترة الممتدة بين عامي 1920 و1940.
ويأتي هذا الإعلان، وفق ما نشره أكشام عبر صفحته الرسمية، ليعيد فتح ملف تاريخي حساس يتعلق بطبيعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تلك المرحلة، حيث أوضح أن المشروع الأرشيفي الجديد يعتمد على مئات الإعلانات الأصلية المنشورة في الصحف المحلية آنذاك، والتي توثق عمليات بيع علنية لمنازل وأراضٍ ومحال تجارية ومصانع كانت مملوكة للأرمن، قبل أن يتم الاستيلاء عليها في سياق عمليات تهجير قسري وأحداث عنف واسعة.
وأكد أكشام في تصريحاته أن ما تم جمعه لا يندرج في إطار الروايات الشفوية أو التحليلات التاريخية المجردة، بل يستند إلى وثائق رسمية منشورة في الصحافة التركية في تلك الحقبة، ما يمنحها – بحسب وصفه – قوة توثيقية عالية، ويجعلها مادة قابلة للتحليل العلمي المباشر من قبل الباحثين والمؤرخين.
توثيق اقتصاد المصادرة وإعادة توزيع الثروة
وأشار المؤرخ التركي إلى أن هذا الأرشيف يتيح للمرة الأولى إمكانية تتبع آليات ما وصفه بـ”النهب الاقتصادي المنظم”، موضحًا أن الوثائق تكشف كيف تحولت عمليات المصادرة إلى جزء من بنية اقتصادية منظمة ساهمت في إعادة تشكيل ملكية الثروة داخل الدولة الناشئة، عبر مزادات علنية شملت ممتلكات في عشرات المدن.
وأضاف أن هذه المواد التاريخية تسلط الضوء على نمط من السياسات الاقتصادية التي لم تكن عشوائية، بل اتسمت – وفق ما ورد في قراءته للأرشيف – بطابع مؤسسي منظم، أدى إلى نقل واسع للملكية من فئة اجتماعية إلى أخرى في سياق التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها تلك المرحلة.
مشروع بحثي دولي واسع النطاق
ويعد هذا المشروع ثمرة تعاون بحثي طويل، حيث أوضح أكشام أن الباحث صائب تشيتين أوغلو قام بجمع المادة الأرشيفية على مدى سنوات طويلة من العمل الميداني في الأرشيفات والصحف المحلية، قبل أن يتم تحويلها إلى صيغة رقمية قابلة للمعالجة الأكاديمية.
كما تمت ترجمة المواد إلى اللغة الإنجليزية بدعم من برنامج أبحاث الإبادة الأرمنية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، فيما تولى الباحث أتيلا تويغان مهمة الترجمة الكاملة، بما أتاح إتاحة الأرشيف أمام جمهور دولي واسع من الباحثين والمؤرخين.
وبحسب الإعلان، أصبح المشروع متاحًا الآن باللغتين التركية والإنجليزية، ما يفتح المجال أمام مراجعات أكاديمية موسعة وتحليلات مقارنة في مجال دراسات التاريخ الحديث وتحولات الملكية والاقتصاد السياسي.

أهمية علمية وإثارة للجدل
ويرى أكشام أن أهمية هذا الأرشيف لا تقتصر على الجانب التوثيقي فقط، بل تمتد إلى إعادة قراءة آليات تشكل الدولة الحديثة في تركيا من زاوية اقتصادية، حيث يتيح للباحثين دراسة العلاقة بين العنف السياسي وإعادة توزيع الثروة، وكيفية تشكل البنية الاقتصادية الجديدة في ظل التحولات التاريخية الكبرى.
كما أشار إلى أن هذه الوثائق تساعد في فهم أعمق لدور المؤسسات الرسمية والإعلام في توثيق وإدارة عمليات البيع والمصادرة، وهو ما يفتح الباب أمام نقاشات علمية موسعة حول طبيعة الاقتصاد السياسي في تلك المرحلة.
سياق أكاديمي ومسار مهني للباحث
ويُعد تانر أكشام واحدًا من أبرز الباحثين في هذا المجال، حيث حصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة هانوفر عام 1995، وكانت أطروحته حول “الحركة الوطنية التركية والإبادة الجماعية للأرمن في ظل المحاكم العسكرية في إسطنبول بين عامي 1919 و1922”.
وُلد أكشام في محافظة أرداهان بتركيا عام 1953، وبدأ اهتمامه المبكر بالسياسة التركية في سن الشباب، حيث عمل لاحقًا رئيسًا لتحرير مجلة سياسية طلابية، قبل أن يتم اعتقاله عام 1976 والحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، ليتم تبنيه لاحقًا كسجين رأي من قبل منظمة العفو الدولية، ثم يفر إلى ألمانيا حيث حصل على اللجوء السياسي.
وفي عام 1988، بدأ مسيرته البحثية في معهد هامبورغ للأبحاث الاجتماعية، مركزًا على دراسة العنف السياسي والتعذيب في أواخر الدولة العثمانية وبدايات الجمهورية التركية، وهو المجال الذي شكّل محور اهتمامه الأكاديمي لاحقًا.
كما شغل بين عامي 2000 و2002 منصب أستاذ زائر للتاريخ في جامعة ميشيغان، وعمل أيضًا في مركز دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة مينيسوتا، قبل أن ينضم إلى قسم التاريخ بجامعة كلارك منذ عام 2008.
بين التاريخ والاقتصاد السياسي
ويفتح المشروع الأرشيفي الجديد الذي أعلن عنه أكشام بابًا واسعًا أمام إعادة قراءة التاريخ من منظور اقتصادي، حيث يربط بين التحولات السياسية العنيفة وبين إعادة توزيع الثروات والممتلكات، في إطار بحثي يثير اهتمامًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية الدولية.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الباحثون تحليل هذه الوثائق، يظل المشروع محل نقاش علمي واسع، نظرًا لما يحمله من معطيات جديدة حول طبيعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية في بدايات القرن العشرين، ودور الأرشيفات الصحفية في توثيق هذه المرحلة المعقدة من التاريخ.
ويمثل هذا الكشف الأرشيفي خطوة جديدة في مسار الدراسات التاريخية المتعلقة ببدايات الجمهورية التركية، حيث يوفر مادة وثائقية ضخمة قابلة للتحليل وإعادة التفسير، ويعزز من أهمية الأرشيفات الصحفية كمصدر رئيسي لفهم التحولات الاقتصادية والسياسية في تلك الحقبة.
وبينما يواصل الباحثون حول العالم دراسة هذه الوثائق، يبقى المشروع الذي قاده تانر أكشام واحدًا من أبرز المشاريع البحثية التي تعيد طرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين التاريخ والاقتصاد والسياسة في سياق التحولات الكبرى للدول الحديثة.







