تقارير

المغرب يدعو من جنيف إلى تجديد الالتزام بتعددية الأطراف ونزع السلاح

بوريطة : تراجع الثقة بين الفاعلين الدوليين يهدد النظام متعدد الأطراف ويعرقل التوافق

 

احمد دياب 

في لحظة دولية دقيقة تتسم بتصاعد النزاعات المسلحة واتساع رقعة الاستقطاب السياسي، وجّهت المملكة المغربية رسالة واضحة من قلب الدبلوماسية متعددة الأطراف في جنيف، دعت فيها إلى التزام متجدد وفعّال بدعم تعددية الأطراف وتعزيز مسار نزع السلاح، باعتباره ركيزة أساسية لصون السلم والأمن الدوليين.

وخلال الاجتماع رفيع المستوى لـ مؤتمر نزع السلاح، الذي يترأسه المغرب حاليًا، أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن السياق الدولي الراهن يفرض إعادة إحياء روح التعاون الجماعي وتغليب منطق الحوار، في مواجهة التحديات المتفاقمة التي تهدد منظومة الأمن العالمي.

كلمة مغربية قوية في افتتاح مؤتمر نزع السلاح

الكلمة التي تلاها بالنيابة عن الوزير، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجنيف، عمر زنيبر، عكست بوضوح رؤية الرباط لمستقبل النظام الدولي في ظل التحولات المتسارعة.

وأشار بوريطة إلى أن العالم يشهد تصاعدًا غير مسبوق في حدة التوترات الجيوسياسية، إلى جانب تفاقم النزاعات المسلحة في عدد من المناطق، ما أفرز حالة من التراجع المقلق في مستوى الثقة بين الفاعلين الدوليين، الأمر الذي ينعكس سلبًا على فعالية النظام متعدد الأطراف، وخاصة في مجال نزع السلاح.

وأكد أن هذه التطورات لا تؤثر فقط على آليات التفاوض، بل تعرقل أيضًا البحث عن توافقات جماعية، وهو ما يجعل من تعزيز الحوار والتعاون الفاعل ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.

 

 

رئاسة مغربية في توقيت بالغ الحساسية

تأتي رئاسة المغرب لـ«مؤتمر نزع السلاح» في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل تعقيدًا منذ سنوات، حيث يواجه المؤتمر تحديات كبيرة تتعلق بجمود المفاوضات وصعوبة التوصل إلى اتفاقات جديدة في ملفات حساسة، من بينها الأسلحة النووية، والتسلح في الفضاء الخارجي، والحد من سباق التسلح التقليدي.

وفي هذا السياق، شدد بوريطة على أن رئاسة المغرب ستسعى إلى الدفع نحو مقاربة واقعية وعملية، ترتكز على إعادة بناء الثقة بين الدول الأعضاء، وخلق أرضية مشتركة تسمح بإحياء دينامية التفاوض داخل المؤتمر، بما يعزز دوره كآلية تفاوضية متعددة الأطراف.

تعددية الأطراف… خيار استراتيجي لا بديل عنه

الرسالة المغربية حملت في جوهرها دفاعًا صريحًا عن تعددية الأطراف، باعتبارها الإطار الأمثل لمعالجة القضايا العالمية المعقدة، وعلى رأسها قضايا الأمن ونزع السلاح.

وأوضح بوريطة أن التحديات العابرة للحدود، سواء كانت أمنية أو سياسية أو إنسانية، لا يمكن مواجهتها عبر مقاربات أحادية أو سياسات انعزالية، بل تتطلب تعاونًا دوليًا منظمًا يقوم على احترام القانون الدولي والالتزام الجماعي.

وفي ظل تنامي النزعات الفردية ومحاولات تجاوز الأطر الجماعية، اعتبر الوزير أن الحفاظ على مصداقية النظام متعدد الأطراف مسؤولية مشتركة، تستدعي من جميع الدول تجديد التزامها بالمبادئ التي قامت عليها منظومة الأمم المتحدة.

نزع السلاح بين الطموح والواقع

لم تغفل الكلمة المغربية الإشارة إلى التحديات الواقعية التي تواجه مسار نزع السلاح، خاصة في ظل استمرار سباقات التسلح وتحديث الترسانات العسكرية في عدد من المناطق.

غير أن الرباط أكدت أن الإخفاقات المرحلية لا ينبغي أن تُفهم كفشل نهائي للمسار، بل كحافز لإعادة تقييم آليات العمل وتعزيز الإرادة السياسية الجماعية.

وأشار بوريطة إلى أن نجاح أي تقدم في مجال نزع السلاح يظل رهينًا بوجود إرادة سياسية صادقة، واستعداد فعلي لتقديم تنازلات متبادلة في إطار من الثقة والشفافية.

 

المغرب ودبلوماسية التوازن والانخراط البنّاء

تعكس هذه المواقف استمرار المغرب في تبني دبلوماسية نشطة ومتوازنة، تقوم على الانخراط البنّاء في القضايا الدولية، والدفاع عن الحلول التوافقية، مع الحرص على ترسيخ الاستقرار الإقليمي والدولي.

فمن خلال حضوره الفاعل في المحافل الدولية، يؤكد المغرب التزامه بدعم الجهود الرامية إلى الحد من التسلح، وتعزيز الأمن الجماعي، والمساهمة في صياغة حلول واقعية للأزمات المعقدة التي يشهدها العالم.

رسالة إلى المجتمع الدولي: آن أوان استعادة الثقة

في ختام الرسالة المغربية، برزت دعوة واضحة إلى المجتمع الدولي لاستعادة الثقة بين مكوناته، باعتبارها الأساس لأي تقدم في ملفات الأمن ونزع السلاح.

فالرهان اليوم – كما جاء في الكلمة – لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يتعداه إلى إعادة بناء منظومة تعاون دولي قادرة على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية بروح المسؤولية المشتركة.

وبين تصاعد التوترات الدولية وتراجع منسوب الثقة، يضع المغرب من جنيف حجرًا جديدًا في مسار الدبلوماسية متعددة الأطراف، مؤكدًا أن الحوار والتعاون يظلان السبيل الأنجع لضمان أمن أكثر استقرارًا وعدالةً للعالم بأسره.